أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي

126

معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب

ثم خرج من بلدته حماة ، لحدة مزاجه ، وضيق أخلاقه . وذلك بعد موت مشايخه . فورد حلب ، ونزل بمحلة المشارقة « 1 » . وكان حينئذ يكتسب بالحياكة . ثم مل من الحياكة ، وجلس بمسجد الشيخ شمعون بمحلة سويقة حاتم « 2 » قرب الجامع الكبير . فكان يقرئ المبتدئين في الألفية النحوية وشرح القطر ونحو ذلك . ويقرئ في المنهاج الفرعي ، وكان يقتنع بسد الرمق ، يلبس الثياب الخشنة كالعباءة « 3 » والقميص من الخام ، مع قدرته على لبس أحسن من ذلك . ثم تردد إلى دروس الشيخ أبي الجود المفتي بحلب ، لأنهما كانا علوانيين فيه . فيسمع التفسير وما يقرأ على الشيخ أبي الجود . وكان يرسل له الشيخ أبو الجود كل ليلة سطلا من الشوربة . ثم أخذ يشكو الخواطر على طريقة العلوانية ، وكيفية شكوى الخواطر ؟ إنه يوم الجمعة صبيحة النهار يقرأ أوراد العلوانية ، ويستمر يذكر اللّه تعالى حتى ترتفع الشمس على قدر قامتين . ويجلس السامعون بعضهم إلى ظهر بعض . ثم يطرق الشيخ رأسه ويقول : أستغفر اللّه . فكل واحد يقول كذلك بمفرده . ثم يشكو بعض جماعات منهم ما لاح في ضميره ؛ هذا يقول مثلا : أجد نفسي تميل إلى الأطعمة

--> ( 1 ) تقع محلة المشارقة على ميمنة الداخل من طريق الشام وتكون محلة الجميلية على ميسرته . فيها جامع البواكب ( نهر الذهب 2 / 313 ) . وما زالت من الأحياء الشعبية ، التي جدد قسم منها . ( 2 ) تقع في حلب القديمة ضمن الأسوار ، يحدها جنوبا الجلوم الكبرى وغربا جب أسد اللّه وشرقا سويقة علي ( السويقة الحالية ) ، والسكنى فيها مرغوبة لقربها من الجامع الكبير . وكانت تدعى محلة السهيلة . - نهر الذهب : 2 / 235 . ( 3 ) في الأصل : كالعباة .