المناوي
9
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ثمّ . . . « 1 » ويخالف آثاره باطنه ، ويؤثّر في سامعه - وإن لم يفهم معناه - ويفيد فتح القلوب ، وحصول الأنوار ، ونحو ذلك ، وهذا خاصّ بالأولياء العارفين ، الأصفياء المحققين ، فلا يتكلّمون النّوع إلّا عن أصل أصيل ، كلمات طيبات كشجرات طيبات ، أصلها ثابت ، وفرعها في السماء ، ولذلك يتميز كلام الأولياء عن غيره ، حتى يكون له آثار عظيمة . فمن ذلك ما وقع لبعضهم وهو على جبل ، فقال : إنّ من أولياء اللّه من إذا قال للجبل تحرّك ، تحرّك ، فتحرّك الجبل ، فقال له : اسكن فإنّما ضربت بك مثلا . وكما قال ذو النّون للسّرير : طف بالبيت ، فطاف ، ثم عاد لمكانه ، وكان هناك شابّ فصرخ ثم مات . لأنهم أطاعوا مولاهم فطوّع لهم الأشياء ، ولا يستبعد ذلك عليهم ، فإنّه تعالى جعل العالم كلّه خادما لبني آدم ، مؤمنهم ، وكافرهم ، طائعهم ، وعاصيهم ، ومكّنهم في المملكة ، وطوّع لهم حيوانها ، ونباتها ، ومياهها ، وأشجارها ، وسحابها ، وأمطارها ، وهم لغيره عابدون ، وبه كافرون ، فكيف لا تسخّر لأوليائه المقرّبين ، وعباده المتّقين ، فربّما أخر من « 2 » التسخير ، وهو الفاعل لكلّ شيء ، وعلى كلّ شيء قدير ، ولهذا تجاب دعواتهم ، وتنجح رغباتهم . وأقدر كلام الأولياء قدره ، ولا تنظر إلى ظاهر عبارته ، بل الحظ باطن إشارته ، لأنّه ليس مبنيّا على العقول والأذهان ، ولا على ترتيب النطق وفصاحة اللسان ، بل على نور القلب ، وقواعد العرفان ، فإن كنت من أهل هذا الشأن ، فسيغنيك الشهود والعيان عن الدّليل والبرهان ، وإلّا فعليك بالتسليم والإذعان ، فإنّه أولى بأهل التثبّت والإيمان ، لئلا تقع في البعد والحرمان : لا تكن وانيا فثمّ أمور * لطوال الرّجال لا للقصار إن تكن لم تر « 3 » الهلال فسلّم * لرجال رأوه بالأبصار
--> ( 1 ) في الأصل كلام مطموس لم أتبينه . ( 2 ) كذا في الأصل . ( 3 ) في الأصل : ترى .