المناوي
10
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
فهؤلاء قوم لا يتكلمون إلّا باللّه ، وللّه ، قال قائلهم رضي اللّه عنه : فإن تكلّمت لم أنطق بغيركم * وإن سكتّ فشغلي عنكم بكم فكثير منهم يلقّن الدّعوات ، والكلمات في نوم ، أو في يقظة على لسان هاتف ، أو بوجه يخالف عاداتهم الجارية ظاهرا وباطنا ، ليعلموا أنّ ذلك من فعل اللّه تعالى ، فبعضهم يراه مكتوبا في الأرض ، أو في حائط ، كما جاء عن سيدي أبي الحسن - رضي اللّه عنه - أنه قال : إني لأسأل عن المسألة فأجد جوابها مكتوبا في الدّواة ، أو في الحائط ، أو الحصير . ولقد رأيت أنا رجلا من أولياء اللّه تعالى ، وكان اسمه أحمد ، ذكر لي عنه من لا أتّهمه أنّه جاء إلى قبر بعض الصّالحين يسأل اللّه تعالى حاجة ، قال : فوجدت مكتوبا في الأرض : أحمد ، تقضى حاجته ، فإذا كان هذا شأن كلامهم فلا ينبغي للعاقل أن يقيسه على كلام غيرهم ، بل يجعل له رتبة في الفهم أخرى ، ويعامله بالتسليم ، والإذعان ، والقبول ، والإيمان ، فإن لم يمنّ عليه بذلك ، ولم يجد في نفسه قبولا لأقوالهم ، ولا تسليما لغريب أحوالهم ، فعليه بالترك لها ، وعدم الخوض فيها ، ولا يقابلها بتكذيب ، ولا إنكار ، ولا يعرّض نفسه لمحاربة اللّه العزيز الجبار القهار ، فإنه تعالى يقول كما أخبر عنه نبيّه صلى اللّه عليه وسلم : « من آذى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة » « 1 » . فما لك ولهذا ، فعساك إن لم تحصل على الفتح لا تقع على الخسران ، وإذا كان نهاك أن تتعرّض لمسلم ما بتنقيص ، أو عيب ، فكيف لا ينهاك عن التّعرّض لأوليائه ، وأصفيائه ؟ فلك في غير ذلك شغل ، والطّرق إلى اللّه تعالى كثيرة ، وإن لم تكن لك قسمة من أولياء اللّه تعالى فعليك بسلوك ظواهر الأمور ، والتعلّق بالشّرع العامّ ، فلكلّ عمل رجال ، فإن ترد أن تكون من المقرّبين
--> ( 1 ) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين 5 / 295 . 8 / 477 ، 9 / 610 بلفظ : « من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب » . انظر موسوعة أطراف الحديث 8 / 5 .