المناوي

8

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

ببعض ، وانبساط فروعها عن أصولها ، ولا كذلك علوم الحكمة الإلهية ، فإنّها إنّما تنال بفراغ العقل ، وصفائه ، وزهده في الفانيات ، فتلوح بعقله تحف « 1 » من الحكم ، وبدائع المفهوم ، كما أشار إلى ذلك المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ينطق « 2 » بقوله : « إذا رأيتم الرّجل قد أعطي زهدا في الدنيا ، وقلّة منطق ، فاقتربوا منه ؛ فإنّه يلقّى الحكمة » « 3 » . وهذا النوع أيضا إذا سلم سامعه من الهوى كان أكثر نفعا من النوع الذي قبله ، وأسرع تأثيرا ، لكنّه لا يرتقي إلى قهره على القبول . من هذه المنبعين تصرّف العلماء ، والحكماء ، فصاحب النّوع الأول يسمّى عالما ، وشرف علمه بحسب معلومه ، وقد يكون دنيّا لدناءة معلومه . وصاحب النّوع الثّاني يسمّى حكيما ، فلا يكون إلّا محمودا شريفا . النوع الثالث المعبّر عن القلب ، وهو أعلى الأنواع ، وأشرفها ، وأعزّها وجودا ، كما قال بعض العارفين : أعزّ ما في الوجود عالم يعمل بعلمه ، وعارف ينطق عن وجده . ومدد النّطق القلبي من الروح ، ومنهما يخرج كلامه له قهر وسطوة ، ولما استمع بعض الفقهاء لبعض كلام بعض متكلمي الطائفة قال : ما أدري ما أقول ، لكني سمعت كلاما له صولة ليست بصولة مبطل « 4 » . ولا يعرف هذا النوع إلّا بذوق ، أو فهم ، أو قوّة إيمان . والذوق للعارفين ، والفهم للمريدين ، والإيمان للمعتقدين . لكن له علامات وآثار ، وفوائد تدل عليه ، منها : أنّه لا يكون من فكره بل يشعّ بديهة ، ويصدع قلب سامعه ، ويقهره على القبول إن كان

--> ( 1 ) في الأصل : تحفا . ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعل كلمة ينطق زائدة . ( 3 ) تقدم تخريجه 1 / 50 بلفظ : « إذا رأيتم من يزهد في الدنيا » . ( 4 ) القول لابن شريح . انظر صفحة 12 من هذا المجلد .