المناوي
60
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ظهورا فلا يصحبه ولا يثبت معه إلّا من محق اللّه نفسه ، وأشدّ حجاب يحجب عن معرفة الوليّ شهود المماثلة ، وهو حجاب قد حجب به الأوّلين ، فقالوا : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [ المؤمنون : 33 ] و فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [ القمر : 24 ] . وإذا أراد اللّه أن يعرّف عبدا بوليّ طوى عنه شهود بشريّته ، وأشهده وجوه خصوصيّته ، فإيّاك ثمّ إيّاك أن تصغي إلى الواقعين في هذه الطّائفة المستهزئين بهم لئلّا تسقط من عين اللّه ، وتستوجب المقت ، فإنّهم قوم جلسوا مع اللّه على حقيقة الصّدق ، وإخلاص الوفاء ، ومراقبة الأنفاس مع اللّه ، سلّموا قيادهم إليه ، وألقوا نفوسهم سلما بين يديه ، وتركوا الانتصار لنفوسهم حياء من ربوبيّته ، واكتفاء بعظيم قيّوميّته ، فقام لهم بأوفى ما يقومونه لأنفسهم ، وكان هو المحارب لمن حاربهم ، والغالب لمن غالبهم ، وقد ابتلاهم بالخلق ، سيّما أهل العلم الظّاهر « 1 » ، فقلّ من تجد منهم من شرح اللّه صدره للتّصديق بوليّ معيّن ، بل يقول : نعلم أنّ الأولياء موجودون ، لكن أين هم ؟ فلا تذكر أحدا منهم لأحد منهم إلّا وأخذ يدفع خصوصيّة اللّه تعالى فيه ، ويطلق « 2 » اللّسان بالاحتجاج ، عاريا من نور التّصديق ، فاحذر من هذا وصفه ، وفرّ منه فرارك من الأسد ، جعلنا اللّه من المصدّقين لأوليائه . وقد قال حجّة الإسلام عقب كلامه على الفناء ، والفناء عن الفناء : هذه أمور نبّهت عليها لتكون متشوّقا إلى أن تصير من أهل الذّوق بها ، فإن لم تكن ، فمن أهل الإيمان بها ، وإيّاك أن تكون من المنكرين لها ؛ فتلقى العذاب الشّديد إذا كوشفت بالحقّ عند سكرات الموت الذي منه تحيد وقيل : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] . وقد اقتضت الحكمة الإلهيّة أن يسلّط اللّه على خواصّ خلقه الأعداء ، والحسّاد حتّى لا تركن قلوبهم لغير اللّه ، وليدوم افتقارهم وضراعهم إليه ولا يشغلهم الفرح بما أوتوا عن ذلك ، وللصّوفيّة من هذا البلاء الحظّ الأوفر .
--> ( 1 ) في طبقات الشعراني 1 / 7 : أهل الجدل . ( 2 ) في الأصل : طلق ، والمثبت من طبقات الشعراني .