المناوي

59

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

بمزيّة ، ألم تسمع قوله تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ الأعراف : 187 ] ، ومن أين لعموم الخلق أن يعلموا أسرار الحقّ في أوليائه ؟ وشروق نوره في قلوب أحبّائه ؟ وسبب هلاك الهالك بهم أنّ من أظهره اللّه منهم لا بدّ وأن يظهر مواهب المنن ، وخوارق العادات ، فتستغرب عقول العموم أن يعطى أحد ذلك غير الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ، وأن تظهر الخوارق إلّا في أهل العصمة ، وغفلوا عن كون كلّ كرامة لوليّ معجزة لنبيّه ، وظنّوا أنّ وقوع الكرامة للوليّ مساهمة لمقام النّبيّ ، وحاشا للّه أن يشترك النّبيّ والوليّ في مقام ، كيف وقد قال أبو يزيد رضي اللّه عنه : جميع ما أخذ الأولياء ممّا هو للأنبياء كزقّ ملىء عسلا فرشحت منه رشاحة ، فما انطوى عليه الزّقّ فهو مثل علوم الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ، والرّشاحة هي حظّ الأولياء منهم . واعلم أنّ من اعتزّ بعزيز لم يشاركه في العزّ ، فالأولياء اعتزّوا بالأنبياء الذين اهتدوا بهديهم ، واقتفوا سبلهم ، فلا يشركونهم في عزّهم ، لأنّ بهم اعتزازهم ، ألم تسمع قول اللّه تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] ، فلم يكن إثبات العزّة لرسوله وللمؤمنين من عباده يوجب شركة للّه في عزّه ، وحكمة الحكيم اقتضت عدم اتّفاق العباد على الوليّ ، بل انقسم الأمر فيه كما تبيّن . والأمر الآخر وهو أنّه لو كان الخلق كلّهم مصدّقين له فاته الصّبر على تكذيب المكذّبين ، ولو كانوا كلّهم مكذّبين له فاته الشّكر على تصديق المصدّقين ، فأراد تعالى بحسن اختياره لهم أن يجعل النّاس فيهم قسمين : مصدّق ، ومكذّب ، ليعبدوا اللّه فيمن صدّقهم بالشّكر ، وفيمن كذّبهم بالصّبر ، والإيمان نصفان ، نصفه صبر ، ونصفه شكر ، ثمّ إنّه لغزارة قدر الوليّ عند اللّه تعالى أنّه جعله محجوبا عن خلقه غالبا ، وإن ظهر بينهم ، لأنّه ظهر لهم من حيث ظاهر علمه ، ووجود ولايته ، وبطن بسرّ ولايته ، فقد قال الشّاذليّ رضي اللّه عنه : لكلّ وليّ حجاب ، وحجابي الأسباب ، فمنهم من حجابه ظهوره بالسّطوة والعزّة ، والنّفوس لا تحتمل من هذا وصفه ، وسبب ظهور ذلك الوليّ بذلك تجلّي الحقّ عليه به ، فإذا تجلّى عليه بصفة ظهر بها ، فإذا غلبت عليه