المناوي
47
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
يتّحد مع اختلاف مسالكه ، كالعبادة والزّهد والمعرفة ، مسالك لقرب الحقّ ، وكلّها متداخلة ، فلا بدّ للعارف من عبادة ، وإلّا فلا أثر لمعرفته إذا لم يعبد معروفه ، ومن زهد [ له ] ، وإلّا فلا حقيقة عنده ، إذ لم يعرض عمّا سواه ، ولا بدّ للعابد منهما ، إذ لا عبادة إلّا بمعرفة ، ولا فراغ للعبادة إلّا بزهد ، وكذا الزّاهد ، إذ لا زهد إلّا بمعرفة وعبادة ، وإلّا عاد بطالة ، لكن من غلب عليه العمل فعابد ، أو التّرك فزاهد ، أو النّظر لتصريف الحقّ فعارف ، والكلّ صوفيّة ، فافهم . الأصل السّادس : فائدة الشّيء ما قصد له وجوده ، وإفادته حقيقته ابتداء أو انتهاء ، أو فيهما ، فالتّصوّف : علم قصد لإصلاح القلب ، وإفراده للربّ ، والفقه : لإصلاح العمل ، وحفظ النّظام ، وظهور الحكمة بالأحكام . والأصول : لتحقيق العقائد بالبرهان ، وتحلية الإيمان بالإيقان ، والطبّ : لحفظ الأبدان ، والنّحو : لإصلاح اللّسان . الأصل السّابع : العلم بفائدة الشّيء وبنتيجته يبعث على الاهتمام به لتعلّق النّفس بما يفيده إن وافقها وإلّا فبالعيش ، وشرف الشّيء بشرف متعلّقه ، ولا أشرف من متعلّق علم التّصوّف ، لأنّ مبدأه خشية اللّه التي هي نتيجة معرفته ، وغايته إفراد القلب للّه ، فلهذا قال الجنيد رضي اللّه عنه : لو علمت تحت أديم السّماء أشرف منه سعيت إليه . الأصل الثّامن : أهليّة الشّيء تقضي بلزوم بذله للمتأهّل له لوضعه في محلّه ، وغير الأهل يضيّعه غالبا ، أو يحمله على طلب نوعه - وهو نادر - فمن ثمّ اختلف الصّوفيّة في بذل علمهم لغير أهله ، فقيل : لا ، وهو مذهب الثّوريّ رضي اللّه عنه ، وقيل : يبذل مطلقا ، والعلم أحمى جانبا من أن يصل لغير أهله ، وهو مذهب الجنيد ، رضي اللّه عنه ، إذ قيل له : لم تنادي على اللّه بين يديّ العامّة « 1 » ؟ قال : بل أنادي على العامّة بين يديه ؛ فألحق اختلاف الحكم باختلاف النّسب والأنواع ، فافهم . الأصل التّاسع : شرف الشّيء إمّا أن يكون لذاته ، أو لصفته ، فيطلب من حيثما يتوصّل منه إليها به ، أو لمتعلّقه فتكون الفائدة في الوصلة بمتعلّقه ، فلهذا
--> ( 1 ) في قواعد التصوف ، القاعدة ( 15 ) : كم تنادي على اللّه بين يدي العامة ! .