المناوي
46
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
بهذا ، ولهذا قال مالك رضي اللّه عنه : من تصوّف ولم يتفقّه فقد تزندق ، ومن تفقّه ولم يتصوّف فقد تفسّق ، ومن جمع بينهما فقد تحقّق . الأصل الثّاني : إسناد الشّيء لأصله ، والقيام فيه بدليله الخاصّ به ، يدفع قول المنكر لحقيقته ، وأصل التّصوّف مقام الإحسان المفسّر في حديث جبريل عليه السّلام : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » « 1 » ، لأنّ معاني صدق التّوجّه لهذا الأصل راجعة ، وعليه دائرة ، لدلالة لفظه على طلب المراقبة الملزومة به ، فكان الحثّ عليها حثّا على عينه ، كما دار الفقه على مقام الإسلام ، والأصول على مقام الإيمان ، فالتّصوّف أحد أجزاء الدّين الذي علّمه جبريل عليه السّلام للمصطفى صلى اللّه عليه وسلم ليعلّمه لأصحابه . الأصل الثّالث : الاصطلاح للشّيء بما يدلّ على معناه ، ويشعر بحقيقته ، ويناسب موضوعه ، ويعيّن مدلوله من غير لبس ولا إخلال بقاعدة شرعيّة ولا عرفيّة ، ولا دفع موضوع أصليّ ولا عرفيّ ، ولا معارضة فرع حكمي ، ولا مناقضة وجه حكمي مع إعراب لفظه وتحقيق ضبطه لا وجه لإنكاره ، واسم التّصوّف من ذلك لأنّه عربيّ مفهوم ، تامّ التّركيب ، غير موهم ولا ملتبس ، ولا مبهم ، بل اشتقاق مشعر بمعناه ، كالفقه لأحكام الإسلام والأعمال الظّاهرة ، والأصول لأحكام الإيمان وتحقيق المعتقد ، فاللّازم فيهما لازم فيه لاستوائهما في الأصل والنّقل ، فافهم . الأصل الرّابع : حكم التّابع حكم المتبوع فيما تبعه فيه ، وإن كان المتبوع فيه أفضل ، وقد كان أهل الصّفّة أوّلا فقراء ثمّ صار منهم الأمير ، والغنيّ ، والفقير ، لكنّهم شكروا عليها حين وجدت ، كما صبروا عليها حين فقدت ، فلم يخرجهم الوجدان عمّا وصفوا به من أنّهم يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] ، كما أنّهم لم يمدحوا بالفقدان ، بل إرادة وجه الملك الديّان ، وذلك لا يتقيّد بفقر ، ولا غنى ، فلا يختصّ التّصوّف بفقر ولا غنى ، إذا أريد به وجه اللّه . الأصل الخامس : لا يلزم من اختلاف المسلك اختلاف المقصد ، بل قد
--> ( 1 ) تقدم تخريجه 1 / 577 .