المناوي

323

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

( 288 ) سعدون المجنون « * » كان عابدا زاهدا ، عظيم الشأن ، كثير السّياحة والانقطاع في الفلوات . وهو من أقران ذي النون المصري رحمه اللّه ، من أهل القرن الثالث . حكى عنه ذو النون رضي اللّه عنه قال : رأيته في مقبرة البصرة في يوم حارّ ، وهو يناجي ربّه ، ويقول بصوت عال : أحد أحد ، فسلّمت عليه فردّ ، فقلت : بحقّ من ناجيته إلّا وقفت ، فوقف ، وقال : قل وأوجز « 1 » ، قلت : أوصني بوصية أو ادع لي بدعوة ، فأنشأ يقول : يا طالب العلم هاهنا وهنا * ومعدن العلم بين جنبيكا إن كنت تبغي الجنان تسكنها * فأزلف « 2 » الدّمع بين خدّيكا وقم إذا قام كلّ مجتهد * تدعوه كيما يقول لبّيكا ثمّ مضى وهو يقول : يا غياث المستغيثين ، أغثني ، فقلت : ارفق بنفسك ، فلعلّه يلحظك لحظة فيغفر لك ، فسحب يده من يدي ، وهو يقول : أنست به فلا أبغي سواه * مخافة أن أضلّ فلا أراه وحسبك حسرة وضني وسقما * بطردك من مجالس أولياه قال الفتح بن شخرف « 3 » رحمه اللّه : كان سعدون صاحب محبّة للّه ، صام ستّين سنة حتى جفّ دماغه ، فسمّاه الناس مجنونا لتردّد قوله في المحبّة . قال الفتح : غاب عنّا مدّة وكنت إلى لقائه مشتاقا ، فبينا أنا بالفسطاط ،

--> * عقلاء المجانين : 54 ، إحياء علوم الدين : 1 / 316 ، صفة الصفوة : 2 / 511 ، المختار من مناقب الأخيار 201 / ب الوافي بالوفيات : 15 / 191 ، فوات الوفيات : 2 / 48 ، روض الرياحين : 95 ( حكاية 20 ، 21 ، 22 ) ، طبقات الشعراني : 1 / 68 ، جامع كرامات الأولياء : 2 / 23 . ( 1 ) في الأصل : أجز . ( 2 ) في عقلاء المجانين : فأسبل ، وفي صفة الصفوة : فأذرف . ( 3 ) في الأصل : خشرف ، وانظر ترجمته في الطبقات الكبرى 1 / 692 .