المناوي

324

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

فرأيته واقفا في حلقة ذي النون وعليه جبّة صوف ، مكتوب عليها : لا تباع ولا تشترى ، وذو النون يتكلّم في علم الباطن ، فناداه سعدون : متى يكون القلب أميرا بعد ما كان أسيرا ؟ قال : إذا اطّلع الخبير على الضمير فلم ير فيه إلّا حبّه ، فصرخ وخرّ مغشيّا عليه ، وقال : ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى * ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر ثم قال : إنّ من القلوب قلوبا تستغفر اللّه قبل أن تذنب ، فقال له ذو النون رحمه اللّه : نعم تلك قلوب [ تثاب ] « 1 » قبل أن تطيع ، أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين ، فهم قد فطموا النفوس من روح الشهوات ، رهبان من الرّهابين ، وملوك في العباد ، وأمراء في الزهّاد ، وليس فيهم من أنس بمخلوق ، ولا استرزق من مرزوق ، فأحدهم بين الملأ حقير ، وعند اللّه خطير . وكان مكتوبا على قميصه : عين فابكي عليّ قبل انطلاقي * بدموع تملّ منها المآقي وانظري مصرعي فقد قضي الأم * ر ونوحي عليّ قبل الفراق قال بعض العارفين : إنّه مرّ بالمقبرة فرأى رجلا متقنّعا ، كلّما رأى قبرا وقف عليه ، فتأمّلته فإذا هو سعدون ، فقلت : أيّ شيء تصنع هنا ؟ قال : إنّما يسأل عمّا أصنع من أنكر ما أصنع ، أمّا من علم فلا معنى لسؤاله ، فقلت : تعال نبكي على هذه الأبدان قبل أن تبلى ، قال : البكاء للقدوم على اللّه أولى من البكاء على الأبدان ، فإن يك عندها خير فخيرها عند اللّه أكثر من بلاها ، أو شرّ فشرّها عند ربّها شرّ من بلاها في القبور ، فليتها تركت تبلى فيها ولم تبعث ، إنّك تدخل النار فلا ينفعك في النار دخول غيرك النار . وحكى عنه عطاء السلمي قال : منعنا الغيث ، فخرجنا نستقي ، فإذا نحن بسعدون دائر في المقابر ، فنظر إليّ وقال : يا عطاء ، هذا النشور ، أو بعثر ما في القبور ؟ قلت : لا ، لكنّا منعنا الغيث ، فخرجنا نستقي ، فقال : يا عطاء ، بقلوب أرضيّة أم بقلوب سماويّة ؟ قلت : بقلوب سماويّة ، قال : هيهات ، قل

--> ( 1 ) في الأصل بياض ، وما بين معقوفين مستدرك من فوات الوفيات : 2 / 50 .