المناوي

313

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

يقولون له إنّه مريض ، فانزعج من ذلك ، وجاء يسألني أن أكتب له ورقة ، فقال : أيش أكتب له ؟ الولد مات في هذا اليوم ، وكان الولد بأعمال القوصية ، فقلت : لا تذكر له ذلك ، واكتب له ما طلب ، فورد الخبر بعد أيّام بموت الولد في ذلك اليوم . وكان رجل من معتقديه يبالغ في اعتقاده إلى ما لا يوصف ، واسمه الشيخ أبو السّعود ، فكان لا يفارق المجيء إليه أصلا ، بل هو مواظب على ذلك ، يتلازم له ، يقبّل قدمه عند المجيء والذهاب ، ويترامى عليه في أخذه لخاطره ، ومهما عرض له من مهمّاته الدّنيوية يحمّله إيّاها ، فكان يتبرّم من ذلك لي ، فأقول له : ليس بلائق منك ، إنسان بالغ الغاية في المحبّة والاعتقاد لك ، فكيف تقول ذلك ؟ فيقول : ليس كذلك ، وإنّما هذا التّملّق لحاجته ، فأقول : باطل ، فقال : سيكشف لكم منه ذلك ، ويحصل لكم منه تعب ، فكان كذلك ، ولم يتخلّف مما قاله حرف واحد حتّى أنّ هذا الرجل مع شدّة ملازمته له في حياته بحيث لا ينفكّ عنه لم يزره بعد انقضاء الجمع الثلاث التي جرت بها العادة ولا المرّة الواحدة ، ويقبل ويدبر في ذلك الخطّ فلا يعرّج عليه . ووقع أنّ بعض جماعة أظهروا السّرور بموته ، وجاهرونا بالشّماتة ، فلم يمتّعوا بالحياة بعده ، ولم يعيشوا بعده إلّا قليلا حتّى اشتدّ تعجّبي من ذلك ، وكان هذا سببا لإساءة ظنّي بكثير من الناس ، ومزيد انجماعي وانقطاعي ونفوري منهم . ومن وقائعه : أنني خرجت أنا وإيّاه راكبين لزيارة مريض من الإخوان ، فتعرّض له ابن المناديلي رضي اللّه عنه وهو شابّ مستغرق لا يكلّم أحدا ، موجود الآن ، فخاطبه باسمه ، وقال له : قل له - وأشار إليّ - يفعل كذا ، ويرجع عن كذا ، وذكر أمرا مذموما أنا متلبّس به ، ولم يطّلع على ذلك أحد ، ثم ودّعه وانصرف ، وهذه من كرامات المناديلي ، إنّما الكلام في كونه أعرض عنّي وخاطبه هو ، وخصّه بالكلام دلالة على أنّه من القوم ، والجنسية علّة الضم . ومن وقائعه أيضا : أنّي كنت أبيت في بيت لي غير الذي هو فيه أحيانا ، فكنت إذا اشتغلت بالذّكر في الليل سرّا - فإنّ طريقنا طريق السّر - يصبح يقول