المناوي

308

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

وصحبه مولانا الشيخ الإمام العالم العلّامة شمس الدين الكلبي ، فظهرت عليه بركاته ، وعادت عليه أحواله وآياته ، ورأى منه العجائب ، واطّلع على بعض ما خصّ به من المواهب . وكان كثير التعبّد جدا بحيث لا ينام من الليل إلّا القليل ، حتى إنّه إذا غلبه النوم يقوم إلى فراشه ويضطجع فيه ، فمتى استيقظ عاد إلى الاشتغال ، فهذا كان دأبه ، وهذه كانت عادته . وكان قد ظهرت علامات النجاة وآثار الفلاح والنجاح في صباه . ومن خوارقه : أنّه كان وهو في سنّ الفصال فقط ، يقول : أريد أن أتوضّأ ، فيقول له : كيف تتوضّأ ؟ فيصف الوضوء حتّى كان أهل المنزل يضحكون ويتعجّبون . وكان من اللّين وسعة الصّدر والاحتمال على جانب عظيم ، وكنّا إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الدّنيا ذكرها معنا ، وأمّا إذا كان وحده فليس اشتغاله إلّا بالعبادة . وأنّه كان يقال له : تتعشّى ، نأتيك بالعشاء ؟ فيقول : نعم ، ائتوني بالسّفرة ، وأصلّي المغرب ، وآكل ، فيشتغل بالصلاة ، فيطيل فيبرد الطعام ، فإذا فرغ يصلّي قالوا له : الطعام ، فيقول : سخّنوه ، فيسخّنونه ويأتونه به ، فيجدونه يصلّي فيبرد ، وهكذا مرارا عديدة . وكانت المجاذيب النافرين من الخلق الذين لا يألفون أحدا يأتون إليه ، ويقبلون عليه ، ويحادثونه بأمور عجيبة . وكان مبدأ أمره أنّي أرسلته لمصلحة وهو مراهق ، فمرّ بابن العظمة وهو لا يعرفه ، فناداه يا زين العابدين ، يا زين العابدين ، فجاء إليه فوضع في فمه قلب خسّ « 1 » وقال : قد خصصناك .

--> ( 1 ) في الأصل : خص ، والمثبت من خلاصة الأثر : 2 / 194 ، وجامع كرامات الأولياء : 2 / 18 .