المناوي

309

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

ووقع له أنّه كان جالسا عندي ، وإذا بالباب يطرق طرقا عنيفا ، فقلت له : انظر من هذا ، فخرج فإذا برجل أعجميّ ، فاعتنقه وضمّه إلى صدره ضمّة شديدة ، ثمّ أطلقه وفارقه وذهب ، فسقط غائبا « 1 » عن حسّه ، فأقام زمنا مغمى عليه ، ثم أفاق ، ثمّ دخل عليّ وهو يرعد ، فذكر لي ، فقلت له : لا تخبر بهذا أحدا . وكانت الأرواح تألفه ، والأولياء تعرفه ، فكانوا يدخلون عليه ليلا في القاعة التي هو بها من خلال الشبابيك ، فيجلسون معه ، ويحدّثونه بأمور من طريق القوم ومن الخوارق ، ويخبرونه بأشياء فلا يتخلّف . واجتمع بالقطب مرارا ، وعاد عليه من أنفاسه . وصحبه رجل أعجميّ اسمه الشيخ شاه فكان يأتيه غالب اللّيالي من الشبّاك ، ويتعشّى معه . وكان في ابتداء أمره يرى أنوارا ، ويسمع كلاما وأخبارا ، فتارة يرى كنور القمر ، وتارة كنور الشمس ، وتارة فتائل ، وقناديل ، ورؤوس شمع موقودة تسقط عليه وحواليه . وكان يرى المنامات العالية المقدار ، فمرّة رأى أنه « 2 » ذاب حتّى لم يبق منه شيء . وأخرى رأى أنّه زفّ وبين يديه الشموع الكثيرة ، وأجلس على مرتبة وسجّادة ، وألبس جبّة خضراء ، ثمّ أتاه جماعة وهنّئوه ، ثمّ أقيم عن تلك المرتبة والسجّادة وألبس جبّة أخرى ، وأجلس على مرتبة أخرى ، وهكذا سبع مراتب في ليلة واحدة . ووقع له من ذلك ما لا يمكن حصره ، ثمّ صار يرى ويسمع في اليقظة . ومن خوارقه : أنّ إمام الأئمة الشافعي رضي اللّه عنه كان يخاطبه من قبره ، وكان في بعض الأحيان يخرج يده من القبر فيضع له في يده شيئا ، قال : وما

--> ( 1 ) في الأصل : ثم أطلقه فسقط وفارقه وذهب فسقط غائبا . ( 2 ) في الأصل : رأى هو ذاب .