المناوي
27
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ومنهم : من يرتقي إلى الغذاء الرّوحانيّ الذي به بقاء النّفس ، ويغني عن الغذاء الجسمانيّ ، وعن ملاحظته إلا قدر ما تبقى به ذاته ، إذ ببقائها يتمكّن لها الغذاء الرّوحانيّ . ومنهم : من يقف على سرّ الحبّة وإلقائها في الأرض ، ثمّ المطر في سحابه الذي هو عبارة عن تحليلها ، ثمّ الرّيح السّابق للمعصرات فتؤدّي كلّ ما عندها ، وما ائتمنت عليه تلك الأرض ، ثمّ تنبسط الشّمس لتغذّيها غذاء آخر ، بما فيها من الحرارة المنمّية « 1 » ، وفي ذلك الغذاء كمال وجودها ، لما تزاوله ، ومعرفة هذا علم كبير ، وثمرته عظيمة يؤتيه اللّه بعض أوليائه . ومنهم : من تزوى له الأرض ، فيعلم حقائقها ، ويقف على طبقاتها ، ويعرف سرائرها ، وكلّ ما أودع اللّه فيها من حكم الطّبيعة عضوا عضوا ، ومفصلا مفصلا . ومنهم : من يفتح له في عالم الملكوت عن سرّ الحياة والعلم المودع في الماء ، فيعرف الحياة اللّطيفة ، والحياة الموقوفة على الجسم ، والإحساس بالآلام واللّذّات ، وغير ذلك . ومنهم : من يعرف مرتبة كلّ علم ، وأين حظّه في الوجود ، وبمن يتعلّق ، وعلى من يتوجّه ، وكيفيّة « 2 » صدوره وغير ذلك . ومنهم : من يمشي في الهواء ، وقد وقع ذلك لجمع لا يدخلون تحت نطاق الحصر ، ورأى رجل رجلا يمشي في الهواء ، فقال له : بم نلت ذلك ؟ قال : تركت هواي لهواه فسخّر لي الهواء . ومضى . ومنهم : من يفتح له باب عالم الأرواح في الملكوت ، فيعرف عند ذلك حقائق الأسرار ، وكيفيّة الصّعود والنّزول ، والاستواء ، وسرّ الاستمداد ، والتّدبير ، والتّسخير ، ومن أين صدرت التّكاليف ، وما حقوقها ، ونحو ذلك . ومنهم : من يقابل اللّوح المحفوظ بذات قلبه ، فيرتقم فيه ما شاء اللّه على
--> ( 1 ) في جامع كرامات الأولياء : المنبهة . ( 2 ) في جامع كرامات الأولياء : لنفيه .