المناوي
28
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
حسب كشفه ، والمشاهد لهذا المقام يكون ساكن الجوارح ، لا يتحرّك له عضو أصلا إلّا عيناه ؛ ثمّ منهم من لا يزال عاكفا على اللّوح لا ينتفع به ، ومنهم من يشهده تارة وتارة ؛ ومنهم من ينظر في كيفيّة تخطيط القلم في اللّوح ؛ ومنهم من ينظر تحريك اليمين للقلم ؛ ولكلّ مقام أدب يخصّه ، وشاهد حال يشهد له ، فعلامة من شاهد اللّوح أن ينطق عن سرّك وأنت ساكت ، وهذا ما قال الجنيد رضي اللّه عنه ، لمّا قيل له : من العارف ؟ قال : من ينطق عن سرّك وأنت ساكت ، وعلامة من شاهد القلم يكتب أن يعرف ذلك السّرّ الذي تتكلّم به في نفسك من أيّ حضرة صدر ، وما السبب الذي لأجله وجد . ومنهم : من يطلعه اللّه على ما أودع في العالم الأكبر من الأسرار . ومنهم : من يطلعه اللّه على العلّة ، والسّبب الذي لأجله وجد أمر ما ، أو عدم أيّ كون ما من الأكوان ، فإذا عرف ذلك نظر هل له تأثير أو لا ؟ فإن كان له تأثير استعدّ لقبوله ، وأنذر إخوانه إن كان تأثير هلاك ، وإن كان تأثير رحمة بشّر الخاصّة ، واستعدّ للشّكر والثّناء ، كما بشّر ابن برّجان رحمه اللّه بفتح بيت المقدس بتعيين العام الذي يكون فيه فكان « 1 » . ومنهم : من يعرّفه اللّه بعلل أكوان نفسه ، وما يوجده فيه ، وفي أيّ حضرة هو ، وأيّ اسم له ، وإلى أين يكون مآله .
--> ( 1 ) لما فتح صلاح الدين حلب في صفر سنة 579 أنشده القاضي محيي الدين بن زكي الدين قصيدة أجاد فيها ، وكان من جملتها بيت متداول بين الناس ، وهو : وفتحك القلعة الشهباء في صفر * مبشر بفتوح القدس في رجب فكان كما قال ، فإن القدس فتحت في رجب سنة 583 ، وقيل لمحيي الدين : من أين لك هذا ؟ فقال : أخذته من تفسير ابن برّجان في قوله تعالى : ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [ الروم : 1 - 3 ] . قال ابن خلكان : ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه الحكاية لم أزل أتطلب تفسير ابن برّجان حتى وجدته على هذه الصورة ، لكن هذا الفصل مكتوبا في الحاشية بخط غير الأصل ، ولا أدري هل كان من أصل الكتاب ، أم هو ملحق به ؟ وفيات الأعيان 4 / 329 .