المناوي
26
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ومنهم : من ينقلب له اللّون الواحد الذي في صحن واحد أنواعا كثيرة من الطّعام ، ويجد كلّ واحد من الحاضرين ما يشتهي أكله ، كما وقع ذلك لشيخ الشّيوخ أبي مدين رضي اللّه عنه في بعض سياحاته ، وذلك أنّه خرج فلقي رجلا فمشى معه غير بعيد ، فدخل عند عجوز في مغارة في حكاية طويلة ، ثمّ عاد الشّيخ إلى العجوز آخر النّهار ، فقعد عندها حتّى وصل ابن لها ، فسلّم على الشّيخ ، فقدّمت العجوز سفرة فيها صحن وخبز ، فقعد الشّيخ والفتى يأكلان ، فقال الشّيخ : تمنّيت لو كان هذا كذا ، فقال الفتى : سمّ اللّه يا سيّدنا ، وكل ما تمنّيت ، قال أبو مدين رضي اللّه عنه : فلم أزل أتقصّد التّمنّي ، وهو يقول مقالته الأولى ، وأنا أجد طعم ما تمنّيته بعينه ، وكان الشّابّ صغيرا لا عذار له « 1 » . ومنهم : من يجعل طعامه ، وشرابه ، ولباسه معلّقا له في الهواء ، كما اتّفق لبعضهم لمّا احتاج إلى الماء في الصّحراء ، فسمع على رأسه صلصلة ، فرفع رأسه ، وإذا بكأس معلّقة بسلسلة من ذهب ، فشرب وتركه . ومنهم : من كان إذا لم يجد إلّا ماء أجاجا أو زعافا « 2 » انقلب له حلوا عذبا فراتا ، قال ابن عربي رضي اللّه عنه : شربته كذلك من يد عبد اللّه ابن الأستاذ المورودي « 3 » رضي اللّه عنه ، من خواصّ طلبة شيخ الشّيوخ أبي مدين رضي اللّه عنه . ومنهم : من يأكل عن غيره ، فيأكل زيد عن عمرو طعاما ، وعمرو غائب ، فيشبع عمرو من ذلك الطّعام ، وهو في موضعه ، ويجد طعم ذلك الطّعام ، وكأنّه الذي أكل ، وقد اتّفق هذا للحاجّ أبي محمّد المورودي مع أبي العبّاس بن أبي مروان بغرناطة ، وذلك لأنّ مثل هذا العارف يجد في باطنه همّة الطّاهر المطهّر من الأدناس ، يوجدها اللّه فيه في نفسه كرامة وتصحيحا لمقامه ، فعن تلك الهمّة يصدر ما ذكر .
--> ( 1 ) في الأصل : كما عدد ، والمثبت من جامع كرامات الأولياء . ( 2 ) في الأصل : غداقا ، وفي جامع كرامات الأولياء : زعاقا . ( 3 ) في الأصل الموكرودي ، وفي مواقع النجوم 117 : الموروزي . انظر ترجمته صفحة 380 من هذا المجلد .