المناوي
19
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
والتحق بالملإ الأعلى في الصّفات ، كما تطبخ الشّمس الذّهب في معدنه الطيني « 1 » ، بخلاف غيره من المعادن النّازلة عن درجته ، لمّا صفت جوهرته ، فكما يوجد بعد خروجه من الأرض ويصيبه الهواء حتّى يسخن ، ويزول منه بقيّة التعفين ، والامتزاج بالطين ، فكذا الإنسان إذا خرج عن أرضه والتحق بهؤلاء السّادة اكتسب منهم صفة لم يكن عليها ، حكم فيها الغائب على الشّاهد ، فخرج عن العادة البشريّة ، وظهرت عليه الخوارق العجيبة بالتّصفية الملكوتيّة ، والتّسخير « 2 » الحاصل من تلك المشاهدات ، حتى خفي عن كثير من الأبصار ، وهذه كرامة ، أصل وجودها ما ذكر ، وسبب الاحتجاب مانع يقوم بإدراك الرّائي حتى يهتف « 3 » بالرّائي وهو لا يراه ، ويمشي على الماء ، ويطير في الهواء ، وهو لا يبصره ، فيصير كالهيولى قابلا للتشكّل والصّور ، كالعالم الرّوحانيّ ، ولذلك صار الخضر يتشكّل على أيّ صورة أحبّ أن يرى فيها ، وهي على قدر مقام الرّائي ، فالملكة التي أعطيها إنّما هي فعلى بشخصيّة لترائي في ذاته وهي على صورته التي خلقه اللّه عليها « 4 » ، وقد غلط في هذا المقام جمع كثير من المتطفّلين على طريق الصّوفيّة ، فكلّ ما أتاك من هذا المقام فهو عائد عليك والمانع منك . واعلم أنّ النّفوس أصلها واحد ، فإذا تركّبت في الأبدان على اختلاف أمزجتها صارت من طبع المزاج للمجاورة حتّى يضرم عليها نار المجاهدة ، ويلقيها في أنواط الرّياضة ، فإن كانت تلك الأرض معتدلة المزاج ، يعني قريبة الاعتدال تحصّلت « 5 » حالا ، والتحقت بعالمها ، ولم يحجبها تدبيرها للبدن ،
--> ( 1 ) في مواقع النجوم : معدنه الطيب . ( 2 ) في مواقع النجوم : والتشجير . ( 3 ) في الأصل : يختف ، والمثبت من جامع كرامات الأولياء . ( 4 ) كذا في الأصل ، وفي مواقع النجوم صفحة 65 : وهكذا رجع الخضر عليه السلام يتشكل على أي صورة أحب أن يرى فيها ، وهي على قدر مقامك ، فالملكة التي أعطي إنما هو فعل يشخصه لك في ذاتك ، وهو على صورته التي خلقه اللّه عليها . ( 5 ) في مواقع النجوم : تخلصت .