المناوي
20
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وإن بعد الاعتدال كثر التّعب في التّخليص ، وطالت المشقّة . واعلم أنّ الإنسان ينتقل من مجالس اتّصاله الملكوتيّ الخارج عنه إلى رؤية عالم ملكوته الخاصّ به ، وهذه الرّؤية عبارة عن فتح عين بصيرته ، فتلوح له الأسرار من أكنّتها ، وتظهر له الأنوار من سبحاتها ، وترتفع عن القلب الحجب ، وتبرز المعاني الإلهيّة ، والأسرار العلويّة ، فتتجلّى في مرآة الخيال ، فيراها باطن إدراك البصر ، وهو المعبّر عنه بعين البصيرة ، فيكشف له ما في غيابات الوجود ، ويطّلع على ما في الضّمائر . وعين القلب إذا ارتفعت عنه الحجب ، وانكشف الغطاء ، تدرك بحسّها كلّ قلب يقابلها ، وكلّ ما فيه من الخواطر ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشر . فإن شاء العارف أظهر ، وإن شاء ستر على حسب ما يقتضيه الوقت ، وتقتضيه المصلحة ، وعلى هذا كان كشف بعض العارفين الغيوب ، وبعضهم يرتقم في مرآة قلبه انطباع الذي في نفس غيره لصفائه ، وذلك لمن يكون منزّها عن الخواطر العرضيّة ، فإذا وجد من هذه صفته خاطرا لا يقتضيه « 1 » مقامه يقطع بأنّه خاطر بعض الحاضرين . فبعضهم لا يعرف من خطر له ذلك الخاطر ، فيتكلّم على الموصوف بتلك الصّفة ، وبعضهم يعرفه فيواجهه بالكلام دون غيره ، وأصل معرفته أنّ بين القلوب مناسبة في الأصل ، فإن خطر الخاطر في قلب الشّيخ أو المريد فإن « 2 » كان قبيحا ، انبعث من القلب دخان تنشأ منه سحابة على قلب الشّيخ ، فإذا قابل بوجهه من قام به الخاطر تكاثف الدّخان ، وإذا صرف وجهه عنه تقشّع ، وإن كان خشنا كان بدل الدّخان بخار لطيف طيّب الرّيح يجد طيبه في أنفه ، الحال كالحال ، هذا إن كان صاحب الخاطر حاضرا . وإلّا كعارف مقيم بالجامع خطر لعياله أو غيرهم شهوة لمقام معيّن ، فتجد ذلك في نفسه ، وهو طاهر المحلّ من الشّهوة ، يعلم أنّه لا يشتهيه لنفسه ، فيحصّله ويرسله لمن اشتهاه . ومن لطائف المكاشفات : أن يخطر له خاطر فيجد مرقوما في ثوبه الأمر
--> ( 1 ) في الأصل : هذه مظنة خاطر ، والمثبت من جامع كرامات الأولياء . ( 2 ) في الأصل : أو المراد بأن ، والمثبت من جامع كرامات الأولياء .