المناوي
186
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
في أرجاء تلك الأرض ، فتارة يميل به الوجد يمينا وشمالا ، وتارة يمرّ في فضائها كالسّهم ، وتارة يقول : شوقي إليك يقلقني ، والبعد عنك يضنيني ، والأنس منك يشفيني ، واستمرّ حاله كذلك إلى الضّحى ، ثم رجع من الموضع الذي جئنا منه . وسار وسرنا خلفه كالأمس ، فلم نلبث إلّا يسيرا حتى انتهينا إلى مدينة مبنيّة بالذّهب والفضّة ، وبها أشجار محدقة ، وأنهار مطّردة ، وفواكه كثيرة ، فأكلنا منها وشربنا ، وأمر الشيخ كلّا منّا أن يأخذ تفاحة منها ، فتناول كلّ واحد تفاحة إلّا الرّجل الذي ردّني ، فإنّ يده لم تمتدّ ، فقال الشيخ : هذا لسوء أدبك ؛ لأنّ هذه الطريق بنيت على محافظة الأدب ، ومراعاة أحكامه ، فاستغفر اللّه وتاب ، ثم أمره الشيخ أن يمدّ يده ، فمدّها وأخذ ، ثم قال الشيخ : هذه مدينة الأولياء لا يدخلها إلّا وليّ ، وسار ، فلم يمرّ بشجرة يابسة إلّا أورقت ، ولا بذي عاهة إلّا عوفي حتّى أتينا مكّة ، ثم غاب عنّي فلم أره مدّة ، فاشتقت له ، فأتيت البصرة ، وأقمت عنده أيّاما ، فخرج يوما إلى ظاهر البصرة وأنا معه حتى أتى إلى طلحة بن عبيد اللّه الصحابي رضي اللّه عنه ، فلمّا رأى القبر رجع القهقرى ، ثمّ رجع إلى القبر فزار وخرج ، فسألته ، فقال : لمّا أشرفت على قبره رأيته جالسا وعليه حلّة خضراء وتاج مكلّل بالدّر والياقوت وعنده حوريّتان ، فاستحييت ورجعت ، فأقسم عليّ أن أرجع ، فدخلت . وسأله العالم العابد أبو طالب عبد اللّه بن أبي الفتح الهاشمي - أو الواسطي - رضي اللّه عنه عن الخضر عليه السلام أحيّ هو أو ميت ؟ فقال : اجتمعت بأبي العبّاس الخضر عليه السلام ، فقلت له : أطرفني بأعجوبة مرّت لك مع الأولياء ، فقال : اجتزت يوما بساحل البحر المحيط حيث لا يرى آدميّ ، فرأيت رجلا نائما ملتفّا بعباءة ، فوقع بخاطري أنّه وليّ ، فركضته برجلي ، فرفع رأسه وقال : ما تريد ؟ فقلت : قم للخدمة ، فقال : اذهب عني ، واشتغل بنفسك ، فقلت : لئن لم تقم لأنادينّ عليك في الناس ، وأقول لهم : هذا وليّ اللّه ، فقال : لئن لم تذهب لأقولنّ : هذا الخضر عليه السلام ، فقلت : وكيف عرفتني ؟ فقال : أمّا أنت فأبو العبّاس الخضر ، قل لي أنت : من أنا ؟