المناوي

130

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

لنا بحقّ ، ولا أخطئ علينا ، ولا أريد غيرنا ، وما لنا على اللّه معتب ، فقال عمرو بن جرير الهجري وأصحابه : الآن يضيع الشيخ ؛ لأنّه كان بارّا بوالديه ، فسمعها ، وبقي متعجّبا : أنّى أضيع ، واللّه حيّ لا يموت ؟ ! فلمّا غسّله وصلّى عليه ووضعه في قبره ، وقف ساعة ، ثم قال : رحمك اللّه يا ذرّ ، واللّه لقد كنت بي بارّا ، ولقد كنت عليك حدبا ، وما بي إليك من وحشة ، ولا إلى أحد بعد اللّه من فاقة ، ولا ذهبت لنا بعزّ ، ولا أبقيت لنا في ذلّ ، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك ، وما يسرّني أن أكون المقدّم قبلك ، ولولا هول المطلع ومحشره ، لتمنّيت أن كنت مكانك ، فليت شعري ، ما ذا قيل لك ؟ وما ذا قلت ؟ - يعني : لمنكر ونكير - ثمّ رفع رأسه ، وقال : اللّهمّ ، إنّك وعدتني الثّواب بالصّبر على ذرّ ، اللّهمّ ، فعليه صلواتك ورحمتك ، اللّهمّ ، إنّي قد وهبت ما جعلته لي من الأجر على ذرّ لذرّ ، صلة مني ، فلا تعرفه قبيحا ، وتجاوز عنه ذلك ، أنت أرحم به منّي ، اللّهمّ ، إنّي قد وهبت لذرّ إساءته لي ، فهب لي إساءته إليك ، فإنّك أجود منّي وأكرم . فبقي النّاس متعجّبين ممّا جاء منهم ، وممّا جاء منه من الرّضا عن اللّه تعالى ، فلمّا أراد الانصراف قال : يا ذرّ ، قد انصرفنا وتركناك ، ولو أقمنا ما نفعناك . ومن كلامه : اعملوا لأنفسكم في هذا الليل وسواده ، فإنّ المغبون من غبن خير اللّيل والنّهار ، والمحروم من حرم خيرهما ، وإنّما جعلا سبيلا للمؤمنين إلى طاعة ربّهم ، ووبالا على الآخرين للغفلة عن أنفسهم ، فأحيوا للّه أنفاسكم بذكره ، فإنّما تحيا القلوب بذكر اللّه ، كم من قائم للّه تعالى في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته ! وكم من نائم فيه قد ندم على طول نومه عندما يرى من كرامة اللّه تعالى للعابدين غدا ! فاغتنموا ممرّ الساعات والليالي والأيام ، رحمكم اللّه . وكان إذا قرأ قوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] قال : يا لك من يوم ، ما أملأ ذكرك لقلوب الصادقين . وقال : عليّ تحملون قسوة قلوبكم ، وجمود أعينكم ؟ عليّ تحملون العيّ