المناوي

423

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

رقّ الزّجاج ورقّت « 1 » الخمر * وتشابها فتشاكل الأمر فكأنّما خمر ولا قدح * وكأنّما قدح ولا خمر وهذه الحالة إذا علمت سمّيت بالإضافة إلى صاحبها فناء الفناء ، لكونه فني عن نفسه وعن فنائه ، ويسمّى هذا الحال بالإضافة إلى المستغرق فيه بلسان المجاز اتّحادا ، وبلسان الحقيقة توحيدا . ومن كلام العارف التّلمساني : التّربية بحسب كلّ موجود ، إنّما هي بقدر ما يحتاجه ، فمتى زادت عن قدر حاجته انعكس معنى التربية إلى ضدّه ، فتصير زيادة التّربية عدم تربية في حقّ ذلك المربوب . وقال : قال أهل اللّه : إنّ أهل الجحيم يجري فيهم العذاب مدى علمه تعالى ، ثمّ ينعطف « 2 » عليهم بالرّحمة ، فينعّمهم في النّار بها ، حتّى لو خيّروا لاختاروها على الجنّة . وقال : إن ظهرت لك الوحدانيّة ، رأيت القادر حيث القدرة ، فكلّ فعل رأيته من فاعل طبيعيّا « 3 » كان الفعل ، أو إراديّا جسمانيّا ، أو روحانيّا ، أو عقليّا ، أو خياليّا ، فتلك القدرة قدرته تعالى ، وهو حيث وجدت قدرته . فمن عرف القدير سبحانه هذه المعرفة سلّم لكلّ قادر ، وعذر كلّ عادل وجائر ، ومن هذه الحقيقة قال السيّد المسيح : من لطمك على خدّك فأدر له الخدّ الآخر ، ومن سلب رداءك فزده قميصك ، ومن سخّرك ميلا فامض معه ميلين . وكان بعضهم إذا علق بمرقعته عود شجرة ، وقف معه حتّى يحقّق معنى هذا الشّهود ، ثم ينفصل بنسبة اسم آخر . وقال : الذي يخصّ النّاطق بالوحدانيّة في مقام التّحقيق أن يشهد أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ البقرة : 165 ] ، فإن ضعفت عن إدراك هذا فاعلم أنّه لا حول ولا قوّة إلّا باللّه .

--> ( 1 ) في الأصل : وراقت ، والمثبت من الديوان ، وانظر وفيات الأعيان 4 / 230 . ( 2 ) في ( ب ) : يتعطّف . ( 3 ) في ( ب ) : طيعيا .