المناوي
31
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
الباب الثالث في صفاته الباطنة وأخلاقه الظاهرة وآدابه الباهرة قد زيّنه اللّه بالخلق الكريم ، ثم أضاف ذلك إليه فقال سبحانه : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] فمن مكارم أخلاقه ، ومحاسن آدابه أنّه كان أحلم النّاس وأشجعهم وأعدلهم وأعفّهم ، وأجودهم ، لا يبيت عنده درهم ولا دينار ، وإن فضل ولم يجد من يعطيه ، وفاجأه الليل ، لا يأوي منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاجه ، وما سئل قطّ فقال : لا . وكان أصدقهم لهجة ، وأشدّهم تواضعا ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، وأعظمهم حياء ، لا يثبت بصره في وجه أحد ، أسكت النّاس في غير كبر ، وأفصحهم وأبلغهم في غير تطويل ، يقبل الهدية ، ولو جرعة لبن ، وفخذ أرنب ، ويكافئ عليها بأكثر ويأكلها ، ولا يأكل الصّدقة ، يغضب لربّه لا لنفسه . ينفّذ الحقّ وإن عاد بالضّرر عليه ، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السّماء ، خافض الطّرف ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبّه . رقيق البشرة ، لطيف الظّاهر والباطن ، يعرف في وجهه غضبه ورضاه ، وإذا أهمّه أمر أكثر من مسّ لحيته . يتكلّم بكلام بيّن فصل يحفظه من سمعه ، ويعيد الكلمة ثلاثا أحيانا لتعقل عنه ، وكان متواصل الأحزان ، دائم الفكر ، ليست له راحة ، ولا يتكلّم في غير حاجة ، كثير البكاء والضّراعة ، يمشي مع المسكين والأرملة لقضاء حوائجهما ، ويخصف « 1 » نعله ، ويرقع ثوبه ، وينقّي الهوام منه ، ويحلب شاته ، ويخدم
--> ( 1 ) خصف النعل : خرزها . القاموس ( خصف ) .