المناوي

32

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

أهله ، ويمشي منتعلا وحافيا ، ويعود المرضى حتى بعض الكفّار وأهل النّفاق ، ويشهد الجنائز ، ويزور قبور المؤمنين ، ويسلّم عليهم ، ويستغفر لهم . ويركب الفرس والبعير والحمار بإكاف « 1 » وعريا . لكنّ أكثر ركوبه للأولين ، وأمّا البغل فكان قليلا في برّ العرب لكن أهدي له فركبه ، ويركب منفردا ، ويردف أحيانا خلفه عبده وزوجته وغيرهما . ويجالس الفقير ، ويواكل المسكين ، ويكرم أهل الفضل ، ويتألّف أهل الشّرف ، فكان يتواضع لأكابر الكفّار للتألف ، ولكونهم مظاهر العزّة الإلهية ، ويقول : « إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه » « 2 » . ولا يواجه أحدا بما يكرهه ، ويمزح ولا يقول إلّا حقّا ، ويورّي ولا يقول في توريته إلّا صدقا ، ويجلس للأكل مع العبيد ، ويأتي إلى بساتين إخوانه إكراما لهم ، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس ، لا يهوله شيء من أمر الدّنيا ، لا يحقر مسكينا لفقره ، ولا يهاب ملكا لملكه ، يدعو هذا وهذا إلى اللّه دعاء واحدا ، وقيل له : ادع على الكفّار . فقال : « إنّما بعثت رحمة ، اللهمّ اهد قومي ؛ فإنّهم لا يعلمون » . ولم يكن فحّاشا ولا لعّانا ولا بخيلا ، ولا جبانا ، ولا صخّابا في الأسواق ، يختار أيسر الأمور ، ولا يضحك إلّا تبسّما ، يعجب ممّا يعجب منه جلساؤه ، ويضحك ممّا يضحكون ، ويذكرون ما كان منهم في الجاهليّة فيتبسّم . قد وسع النّاس خلقه فهم في الحقّ عنده سواء ، وما انتهر خادما ، ولا قال له في شيء صنعه : لم صنعته ؟ ولا في شيء تركه : لم تركته ، بل يقول : « لو قدّر كان » « 3 » .

--> ( 1 ) الإكاف والوكاف ( على البدل ) : برذعة الحمار والبغل . انظر متن اللغة ( وكف ) . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة 2 / 1223 ( 3712 ) عن ابن عمر ، والبيهقي 8 / 168 عن ابن جرير بن عبد اللّه ، والحاكم في مستدركه 4 / 291 ، 292 عن جرير أيضا . ( 3 ) أخرجه ابن حبان ( الإحسان ) 16 / 145 ( 7179 ) عن أنس . قال الشيخ شعيب حفظه اللّه : إسناده على شرط الشيخين .