المناوي

19

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

أحدهما : عجائب الرؤيا الصّالحة الصادقة فإنّه ينكشف بها الغيب ، وإذا جاز ذلك في النّوم فلا يستحيل في اليقظة ، فلم يفارق النّوم اليقظة إلّا في ركود الحواس ، وعدم شغلها بالمحسوس ، وكم من متيقّظ لا يسمع ولا يبصر لشغله بنفسه . والثاني : إخبار الرّسول عن الغيب وأمور آتية ، وإذا جاز ذلك لنبيّ جاز لغيره ، إذ النبيّ رجل كوشف بحقائق الأمور ، وشغل بإصلاح الخلق ، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص يكاشف بالحقائق ولا يشتغل بإصلاح الخلق وهذا يسمّى وليّا لا نبيّا « 1 » . ( تنبيه ) قال بعض الكاملين : إظهار الكرامة وإخفاؤها على حسب النّظر لأصلها وفرعها « 2 » ؛ فمن عبّر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة مع ربّه ، ومن عبّر من بساط إحسان اللّه إليه لم يصمت إذا أساء . وقد صحّ إظهار الكرامة من قوم ، وثبت العمل في إخفائها من آخرين كالمرسي في الإظهار ، وابن أبي جمرة في الإخفاء ، حتى قال بعض أتباع ابن أبي جمرة : إنّ طريقهما مختلف . فبلغه فقال : واللّه ، ما اختلفت قطّ طريقتنا ، لكنّه بسطه العلم ، وقبضني الورع . وقال بعضهم : من النّاس من يغلب عليه الفناء باللّه ، فيظهر الكرامات وينطلق « 3 » لسانه بالدّعاوى من غير احتشام ولا توقّف ، فيدّعي بحقّ عن حقّ لحقّ في حقّ كالكيلاني ، وأبي يعزّى ، وعامّة متأخّري الشاذلية ، ومنهم من يغلب عليه الفقر إلى اللّه فيكلّ لسانه ، ويقف مع جانب الورع ، ومنهم من تختلف أحواله فتارة وتارة ، وهو أكمل الكمال ، لأنّه حال المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم لما أنّه أطعم ألفا من صاع ، وشدّ الحجر على بطنه .

--> ( 1 ) في ( أ ) : نبيا لا وليا . ( 2 ) في ( أ ) : نوعها . ( 3 ) في ( ب ) : ينطق .