المناوي

4

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

من لم يبت والحبّ حشو فؤاده * لم يدر كيف تفتّت الأكباد وإنّي كنت قبل أن يكتب الشّباب خطّ العذار ، أردّد ناظري في أخبار الأولياء الأخيار ، وأتتبّع مواقع إشارات حكم الصّوفيّة الأبرار ، وأترقّب أحوالهم ، وأسبر أقوالهم : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكّنا « 1 » حتّى حصلت من ذلك على فوائد عاليات ، وحكم شامخات ساميات ، فألهمت أن أقيّد ما وقفت عليه في ورقات ، وأن أجعله في ضمن التّراجم ، كما فعله بعض الأعاظم الأثبات ، فأنزلت الصّوفيّة في طبقات ، وضربت لهم في هذا المجموع سرادقات ، ورتّبتهم على حروف المعجم عشر طبقات ، كلّ مائة سنة طبقة ، وجمعتهم كواكب ؛ كلّها معالم للهدى ، ومصابيح للدّجى ، ورجوم للمسترقّة ، لكنّي لم أستوعب بل اقتصرت على جمع من النّسّاك المشتهرين بالزّهد ، المتحقّقين بالإرشاد والرّشد ، ممّن له كلام عال في الحقائق ، وباشر الأحوال والطرائق ، وظهرت عليه الكرامات والخوارق ، وقاطع القواطع والعلائق ؛ فإنّ القصد بهذا التعليق النّفع بما لهم من الكلام في الحقائق ، والحكم والأحكام وما سواه بالنسبة إليه تتمّات ، وإن كانت في نفسها من أنفس المهمات ، فدونك مجموعا جموعا ، اشتمل على حكم عالية المقدار ، وإشارات بديعة رفيعة المنار ، وحكايات ليس فيها شكايات ، ونوادر في ضمنها زواجر ، ومواعظ تصمت اللافظ ، ويتوب لها الفاجر ، وفوائد يسوّد بها القرطاس ، ويودّ لو زيد فيه سواد القلب والبصر ، وتسود بها الأوراق فتصبح أسود من الشّمس والقمر وسمّيته « الكواكب الدّرية في تراجم السّادة الصوفية » وأنا أفقر عباد اللّه وأحوجهم إلى ألطافه الخفيّة ، محمد المدعو عبد الرؤوف سليل العصابة المناوية ، واللّه أسأل أن يجعلني من جملة أحبابه ولا يؤاخذني بالتّقصير في خدمة جنابه ، وقبل الشّروع في المقصود لا بدّ من مقدمة فأقول مستمدّا من بحر جود واجب الوجود :

--> ( 1 ) البيت لمجنون ليلى ، الديوان صفحة 282 ، من قصيدة مطلعها : برغمي أطيل الصدّ عنها إذا نأت * أحاذر أسماعا عليها وأعينا