الحسن بن محمد البوريني
212
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
وفي يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان ورد الخبر إلى دمشق بأن الباشا الحافظ أحمد باشا رجع من بلاد شوف ابن معن إلى أرض البقاع العزيزي ، ونزل عند قرية يقال لها قبر عبّاس واختلف الناس في سبب رجوعه ، والذي صحّ منه أنه ذهب بالعسكر الدمشقي والعسكر الروميّ والقرماني وغير ذلك من عساكر فلسطين إلى بلاد الشوف وأمر بحرق كثير من بلادها . فأحرقوا الباروك « 1 » ، وهي قرية في بلاد الشوف عظيمة المقدار . وأحرقوا غيرها حتّى دبّت النيران في سهلها ووعرها ، ودنت من ساحل بحرها . وجاء إلى الباشا أناس أخبروه بأن قوما من الدروز في واد من الأودية ، وأن عدّتهم قليلة ، وغنيمتهم جليلة . فأرسل الباشا إليهم جماعته [ 55 ب ] وبعضا من عسكر السلطان الرومي ، وأمّر عليهم واحدا يقال له مصطفى ، وكان كبير عسكر دمشق سابقا ، وهو في اصطلاحهم يسمى آغا . فصدر من الفريقين حرب أفضت إلى إظهار الدروز والبغاة الطغاة أعداء الدّين الهرب وولّوا . فأتبعهم عسكر الوزير ومن معهم إلى أن أبعدوهم عن أسبابهم . ورجع العسكر ينهبون فرجعوا إليهم بعد ما ثقلت أحمالهم . فقتلوا من العسكر كثيرا ، بل قيل إنهم ما رجع منهم إلّا القليل . ثم إنّ حضرة الوزير أرسل حسين باشا ابن يوسف باشا ابن سيفا وكان جمال العسكر ، وبهجة الفرسان ، وعروس الخيل ، فبرز كالأسد الهصور ، وصدم بعسكره الجمهور . وألقى نفسه بين الصفّين ونادى : لا أثر بعد عين ، أنا حسين أنا حسين ، وأمسك سيفه وأقدم وتقدّم ، واجتهد وصمّم ، وضرب بالحسام ، وفلق الهام ، وقال لأسوده ، وأقسم على جنوده : بأنّ من التفت وراءه ضربت أعلاه : وأخذت ما فيه عيناه . فأقدمت أمامه الأسود المجرّبة ، وضربت بين يديه السيوف المحدّبة . وكان فضله يسوقهم ، وزجره لهم عن التمادي يعوقهم . حتى حميت سوقهم ، وأسرعت إلى
--> ( 1 ) انظر قاموس لبنان ص 9