الحسن بن محمد البوريني

182

تراجم الأعيان من أبناء الزمان

وما فعلته إلّا بإبرام من الشيخ أحمد فإنّه استاذنا وهو الحاكم علينا ، وهو صاحب المرتبة العلية ، في الديار الحلبيّة . فأسرّها ابن عمّ البنت في خاطره ، وصار يرتاد الفرصة في قتل الشيخ المذكور إذا كان في القرية أيام بيادره . فلم يزل يحاول الفرصة ، ليذهب بقتله ما عنده من الغصّة ، حتى أمكنه غيلة ( 47 جهنىّ ) في ليله . فحضر اليه مع فرقة من الأشقياء المساعدين له على مراده ، والمعاهدين له على كمال إسعافه وإسعاده . فكسر باب الدار ، وكأس الحمام عليه أدار ، وما راقب في قتله غضب الجبّار . بلغني أنّ الشيخ كان جالسا يطالع في بعض الكتب المفيدة . وعنده عبد حبشي يطبخ له قهوة البنّ ليقوّي تسهيده . وإذا بالشقيّ المذكور قد دخل عليه بغتة والسيف في يده مسلول . فاستعطفه بما حضره من الكلام فكان عنده غير مقبول . وبطش به غير راحم لشيبته ، ولا عاطف على علومه وفضيلته . وسقاه بدل ما كان يترقب من القهوة كأس الحمام ، وأدرك بذلك ما كان قد طلب من المرام . ونال الشيخ شهادة الآخرة ، وحاز جنّة ناضرة ، مع وجوه إلى ربها ناظرة . وشاع الخبر بذلك في البلاد ، حتى بكت حسن العهاد . ولقد كان لطيف الأخلاق ، كريما على الغرباء والرّفاق . ولقد أخبرني عنه جمّ غفير ، وجمع كثير ، أنّه كان حلو المذاكرة ، لطيف المحاضرة ، رقيق المسامرة . ولو لم يكن كذلك لما حاز السعادة ، وفاز بمرتبة الشهادة . وكان له ولدان فاضلان عالمان كاملان . أحدهما اسمه محمد ، والآخر إبراهيم . وكلّ منهما في حلب رئيس جليل عظيم . يتوقّدان ذكاء وفهما ، ويتدفّقان سخاء وعلما . وبلغني أنّ القاتل لأبيهما المذكور مع من كان من أرباب الشقاوة والشرور ، قد قتلوا قصاصا . وما وجدوا من السيف خلاصا . وأنّ استيفاء حقّه منهم كان في مدة قصيرة ، وأنّ مولاه الحق كان في ذلك نصيره . وله من النظم ما يسحر الألباب ، ومن النثر ما لا يغلق معه كتاب .