الحسن بن محمد البوريني

مقدمة 17

تراجم الأعيان من أبناء الزمان

ثقافة البوريني كان القرن الحادي عشر عصر نهضة علمية في دمشق ، هيّأها رجال عاشوا في أواخر القرن العاشر . فأتيح للبوريني أن يرافق هذه النهضة العلمية وأن يكون من رجالها ، ويأخذ عن بناتها كالشيوخ من آل الطيبي والغزّي ، والنابلسي ، والعيثاوي ، والمنقار ، والعماد وغيرهم . وكان كلّ منهم إماما في فنّه . فأفاد منهم جميعا . أتقن القراءات ، والفقه الشافعي ، والأصول ، والفرائض . وبرع في العربيّة وآلاتها ، وقرأ كتب التاريخ والأدب ودواوين الشعراء ، ونظم ونثر . ثم تعلّم الفارسيّة حتى صار يتكلّم بها - على قول النجم الغزّي - كأنه أعجمي . فأتاح له ذلك أن يطلع على الأدب الفارسي ويقتبس من معانيه في شعره العربي . ثم أضاف إلى ذلك معرفة اللغة التركية . وكانت يومئذ لغة الدولة والوزراء والأمراء . وقلّ أن نجد عالما فقيها - حتى في عهود الازدهار - يتقن اللغات الثلاث : العربية والفارسية والتركية ، معا ، وأن يحيط بالأدب والشعر والتاريخ . كان البوريني - كما يبدو من تصفّح آثاره - كثير القراءة والمطالعة . وكان يسجّل ما يروقه من قراءاته في كنّاش اتخذه لذلك . ولم يفقد هذا الكنّاش . وهو يدلّنا على الكتب التي كان يقرأها والشعراء واللغويين الذي كان يلتقط منهم . ففي الكنّاش نقول من تاريخ الذهبيّ ، وتاريخ بغداد ، وعيون التواريخ لابن شاكر ، ووفيات الأعيان لابن خلّكان ، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ، وتاريخ حلب لابن العديم . وفيه ذكر لحياة الحيوان للدميري ، وكتاب الفلاحة لابن وحشيّة ، والمفتاح للسكّاكي .