الحسن بن محمد البوريني
67
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
وكنا نسمع به قبل قدومه قاضيا إلى دمشق بنحو عشر سنين ، وأنه عارف بالعربيّات ، وحافظ للقصائد البليغات ، وأنه ربما زاد حفظه على عشرين ألف بيت من كلام العرب العرباء ، فضلا عن المولّدين . ولمّا رأيناه بدمشق وصاحبناه رأينا منه بعض آثار من معرفة العربية ، لكن لم نره كما سمعنا . واعتذر لنا عنه بعض أصحابه بأنّه ضعيف المزاج ، وأنّ ضعف مزاجه قطعه عن الحفظ والتحفظ ، بل عن التكلم والتلفظ . دخلت عليه يوما والسماء قد سمحت بالغيث ، من غير ريث . فقلت له : الحمد للّه حصل مطر ، من غير ضرر . وبوارق من غير صواعق . فقال لي : نعم . وأنشد قول القائل : فسقى ديارك غير مفسدها * صوب الربيع وديمة تهمي وأطال في هذا المجال ، من غير إخلال . وكان عنده من الكتب ما لم نره عند غيره من كبار الموالي ، في سالف الأيام والليالي . رأيت عنده « إحياء علوم الدين » للامام حجة الإسلام الغزالي رضي اللّه عنه ، في جلد واحد بتمامه وكماله . ورأيت عنده « روضة » الإمام النوويّ رضي اللّه عنه في مجلدة واحدة أيضا بتمامها مع حسن الخطّ ، ولطف الضبط . وأمّا دواوين العرب فقد كان عنده منها نهاية الأدب . كان والده المرحوم حسن أفندي من قسم المماليك والموالي ، فترقّت به الحال حتى صار من أعظم الموالي . سمعت أنه صار قاضيا بالعساكر المنصورة العثمانية . فتحاكم لديه خصمان أحدهما وكيل عن سيّدته بنت رستم باشا الذي هو من مماليكه . فحكم على سيّدته لكون الحقّ في جانب ( 6 جهنىّ ) خصمها . فقيل له في ذلك فأنشد : وإذا السّعادة لاحظت عبد الشرى * نفذت على ساداته أحكامه