عبد الوهاب الشعراني

217

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وأخبرني سيدي الشيخ أمين الدين رحمة اللّه تعالى إمام الغمرى أيضا أن شخصا في مقبرة برهمتوش كان يصيح في القبر كل ليلة من المغرب إلى الصباح فأخبروا سيدي محمدا رضي اللّه عنه بخبره فمشى إلى المقبرة وقرأ سورة تبارك ودعا اللّه تعالى أن يغفر له فمن تلك الليلة ما سمع له أحد صياحا فقال الناس شفع فيه الشيخ وكان رضي اللّه عنه وقته مضبوطا لا يتفرغ قط لكلام لغو ولا لشيء من أخبار الناس ويقول كل نفس مقوم على بسنة وكان يتهيأ لتوجه الليل من العصر لا يستطيع أحد أن يخاطبه إلى أن يصلي الوتر فإذا صلى قام للتهجد لا يستطيع أحد أن يكلمه حتى يضحى النهار وكان هذا دأبة ليلا ونهارا شتاء وصيفا وكنا ونحن شباب في ليل إلى الشتاء نحفظ ألواحنا ونكتب في الليل ونقرأ ماضينا وهو واقف يصلي على سطح جامع الغمري ثم ننام ونقوم فنجده قائما يصلي وهو متلفع بحرامه فنقول هذا الشيخ لا يكل ولا يتعب هذا والناس من شدة البرد تحت اللحف لا يستطيعون خروج شيء من أعضائهم . وسمعت سيدي محمدا السروي شيخ الشناوي يقول ما رأت عيني اعبد من ابن عنان ، وكان رضي اللّه عنه يحب الإقامة في الأسطحة وكل جامع أقام فيه عمل له فوق سطوحه خصا وتارة خيمة ، وأخبرني أنه أقام في بدء أمره ثلاث سنين في سطح جامع عمرو بن العاص رضي اللّه عنه وكان لا ينزل إلا وقت صلاة الجماعة أو وقت حضور درس الشيخ العارف باللّه تعالى سيدي يحي المناوي فإنه كان من أهل علمي الظاهر والباطن وكذلك كان يحضره جماعة من الأولياء كسيدي محمد السروي رضي اللّه عنه وسيدي محمد ابن أخت سيدي مدين رضي اللّه عنه وأضرابهما ، وسمعته رضي اللّه عنه يقول سخر اللّه تعالى لي الدنيا مدة إقامتي في جامع عمرو فكانت تأتيني كل ليلة بإناء فيه طعام ورغيفين وما خاطبتها قط ولا خاطبتني ولكن كنت أعرف أنها الدنيا ، وسمعته يقول حفظت القرآن وأنا رجل فحفظت أولا النصف الأول على الفقيه ناصر الدين الأخطابي ثم النصف الثاني على أخي الشيخ عبد القادر وكان رضي اللّه عنه إذا نزل في مكان فكأن الشمس حلت في ذلك المكان لا أكاد اشهد غير ذلك هذا وأنا صغير لا افصح عن مقامات الرجال واللّه إنه ليقع لي في الليلة الباردة أنني أقوم وأنا كسلان عن الوضوء والصلاة فلا أجد أحدا في ذهني حالة ينشطني غيره فإني اعرض هذا الحال وأقول في نفسي لو قام الشيخ محمد رضي اللّه عنه في مثل هذه الليلة هل كان يرجع إلى النوم بغير وضوء وصلاة فيزول عني الكسل بمجرد ذكر حاله رضي اللّه عنه ، ولقد سمعته رضي اللّه عنه يقول من منذ وعيت على نفسي لا