عبد الوهاب الشعراني

218

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

أقدر على جلوسي بلا طهارة قط ولقد كانت تصيبني الجنابة في الليالي الباردة فلا أجد ماء للغسل إلا بركة كانت على باب دارنا في ليالي الشتاء فكنت أنزل فيها وعلى وجهها الثلج فأفرقه يمينا وشمالا ثم أغطس فأجد الماء من المهمة كأنه مسخن بالنار واللّه لقد رأيته بعيني يستنجى في الخلاء فيبطئ عليه الماء للوضوء فيضرب يده على الحائط يتيمم حتى يجد الماء ولا يجلس على غير طهارة لحظة . وكان يقول مجالسة الأكابر تحتاج إلى دوام الطهارة وأردت ليلة من الليالي أمد رجلي للنوم فكل ناحية أردت أن أمد رجلي فيها أجد فيها وليا من أولياء اللّه تعالى فأردت أن أمده إلى ناحية سيدي محمد رضي اللّه عنه بباب البحر فوجدتها تجاه قبره فنمت جالسا فجاءني ومسك رجلي ومدها ناحيته وقال مد رجلك ناحيتي البساط أحمدي فقمت ونعومة بده في رجلي رضي اللّه عنه . وكان يتكدر ممن يضع بين يديه شيئا من الدنيا ليفرقه على الفقراء ويقول ما وجدت أحدا يفرق وسخك في البلد غيري وأخبرني الشيخ عبد الدائم ولد أخيه قال بعت مركب قلقاس من زرع عمى وجئته من ثمنها بأربعين دينارا ووضعتها بين يديه بكرة النهار فصاح في وقال اللّه لا يصبحك بخير تصبحنا فرفعتها من بين يديه وانا خجلان . وكان رضي اللّه عنه إذا دعاه من في طعامه شبهة يجيبه ولكن يأخذ في كمه رغيفا يأكله على سفرة ذلك الرجل مسارقة من غير أن يلحظ أحد به هكذا رأيته وكان حاضرا الشيخ أبو بكر الحديدي والشيخ محمد العدل رضي اللّه عنه فأراد أن يفعلا مثل فعله فقال كلا أنتما لا حرج عليكما . ولما طلب الغوري الشريف بركات سلطان الحجاز ورأى منه الغدر جاء إلى سيدي محمد رضي اللّه عنه بعد صلاة العصر ونحن جلوس بين يديه فقام له الشيخ واعتنقه وقال له الشريف أريد أهرب هذا الوقت وخاطرك معي لا يلحق بي الغوري حتى أتخلص من هذه البلاد فإن النوق تنتظرني نواحي بركة الحاج فدخل سيدي محمد رضي اللّه عنه الخلوة فانتظره الشريف فلم يخرج والوقت ضاق فقال لي وللشيخ حسن الحديدي خادمة استعجلا لي الشيخ ففتحنا باب الخلوة فلم نجد الشيخ فيها فرددنا الباب فبعد ساعة خرج وعيناه كالدم الأحمر فقال اركب يا شريف لا أحد يلحقك فما شعر الغوري به إلا بعد يومين فتخلص إلى بلاد الحجاز فأرسل في طلبه فلم يلحقوه .