عبد الوهاب الشعراني
206
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
الفلاني والثور الفلاني مرض الليلة الفلانية فلم يأكل عشاه تلك الليلة ونقص من غذائه في الوقت الفلاني وهكذا فلما حضر ابن عبد الرحمن ثاني مرة إلى البلد أرسل خلف جدك يطلب منه قائمة المصروف فنظر فيها ثم خرج من الخيمة مكشوف الرأس خارا على أقدام جدك يقبلها ويبكي ويقول : يا شيخ علي اجعلني في حل فإني واللّه ما علمت بمقامك ثم صار يقول : مثل هذا الرجل يكون وكيلا عني . وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رحمه اللّه قال أهدي لنا سيدي محمد بن عبد الرحمن ثلاثة أطباق على رؤوس ثلاثة من العبيد في واحد أثواب صوف وشاشان وثياب بعلبكية وفي الآخر حلاوة ومكسرات وفي الآخر أنواع من الطيب فرد القماش وقبل الحلاوة والطيب وفرق الطيب على صبايا البلد والحلاوة على أيتام البلد ولم يذق هو ولا أهل بيته شيئا من ذلك وأراد عمي عبد الرحمن أن يأخذ له إصبعا من الحلاوة فمنعه وقال يا ولدي هذا سم في الجسد فإنه كان جده يقبض العشور انتهى . قال سيدي خضر وقد عاشرت جدك وأنا مباشر البلد إلى أن مات فما رأيته وضع يده في طعام الفلاحين ولا أخذ على شهادته لهم في الخراج والإجارات وعقود الأنكحة ولا خطابته لهم ولا إماماته بهم درهما واحدا قال وكان يفضل للفلاح على أستاذه الدرهم الواحد فيكتبه للفلاح لثاني سنة ويقول : لو أمكنني تخليصه لك هذه السنة لخلصته لك من أستاذك وكان إذا ضاق به الحال من حيث الكسب بالبيع يكتب المصاحف ويصنع الطواقي المضربة دالة في قلب دالة وكل واحد يعطونه فيها الدينار الذهب ويقول : ون إن كل طعنة فيها مرقية بكلمة من القرآن لأنه كان إذا خاط يقرأ مع ذلك القرآن فكان يحسب رأس ماله فيها وأجرة مئونته وخياطته ويتصدق ببقية الدينار على الأرامل والمساكين . وبلغني عنه أنه كان يقرأ القرآن وهو ينسخ كتب العلم لا يشغله أحدهما عن الآخر وتخرج كتابته سالمة من الغلط مع ذلك ، وأخبرني جماعة ممن كانوا يقرءون عليه أنه كان يأكل اللبن والطعام المائع مع المجذومين ويقول : إن هؤلاء خاطر هم مكسور وكان الذين يقرءون عليه يقول : ون ما رأيناه قط نائما في النهار في أيام الصيف ولا غيره . وكان رضي اللّه عنه يقول : إن النهار لم يجعل للنوم ولما حج وتلقاه الناس وافق طلوعه للبلد أذان العصر فصعد سطح الزاوية وأذن ونزل وصلى بالناس ثم نزل فنظف بيوت الخلاء وملأ الميضأة قبل دخول الدار ثم شرع من تلك الليلة في ملء الأسبلة المتقدم ذكرها على يديه على عادته ولم يسترح كما يقع للحجاج . وكان يقول : الوقت سيف ولما جاء من الحج كثر بكاؤه وحزنه زيادة على ما كان