عبد الوهاب الشعراني

207

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

عليه قبل الحج ولم ير ضاحكا قط حتى مات . وكان إذا لبس القميص أو العمامة لا ينزعها للغسل قط إلا إن نزعوها وكانوا ينسونه بعض الأوقات فتصير كالوحل ومع ذلك على ثيابه الفخر والنور يخفق منها من نور الأعمال وكانت عمامته من الصوف الأبيض وكان أشبه الناس بجدي الشيخ نور الدين الشوني رضي اللّه عنه شيخ الصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالجامع الأزهر وغيره في وجهه ولحيته وهمته وجسمه حتى إن الجماعة الذين قرعوا على جدي كلهم مطبقون على ذلك وكانوا يذهبون إلى الجامع الأزهر لرؤية الشيخ نور الدين لشبهه بجدي لا غير ، ولما دفن سيدي نور الدين الشوني رضي اللّه عنه رئيته ثاني يوم فقال لي جاءني جدك إلى هنا هذه الليلة وقال آنست مكانك وإذا كان لك حاجة فنادني أحضر إليك في الحال ورأيت بينهما اتحادا عظيما ولذلك جعلنا اسميهما مسبوكين معا في الدعاء لهما في قراءة الأسباغ والكرسي وغير هما في الزاوية التي دفن فيها الشيخ نور الدين الشوني رحمه اللّه تعالى كل واحد يدعي له بقرينة تخصه فإن كلا منهما والدي رضي اللّه عنهما . وكان رضي اللّه عنه يقول : لا يعجبني كثرة العبادات من العبد وإنما يعجبني كثرة خوفه من اللّه عز وجل ومناقشة لنفسه ، ورافقه مرة في سفره من القاهرة إلى بلده رجل عليه آثار الفقراء فقال له جدي ما حرفتك قال له مؤذن في جزيرة الفيل فقال له هل أقمت مقامك نائبا فقال الأمر سهل فقال هذا فراق بيني وبينك وساق وتركه ، وكان رضي اللّه عنه لا يمكن أحدا من الفقراء البرهامية يفعل شيئا في بلده مما يفعلونه في غيرها من أكل النار ودخولها وجر السيف على اللسان وعلى الكف ويقول : إن كنتم برهامية فأتوا لنا بالبرهان على ذلك من الكتاب والسنة أو من فعل سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه فانتصر جماعة من البلد للفقراء على جدي وقالوا لا بدّ أن يفعلوا هذه الليلة ذلك حتى نتفرج عليهم فأتاهم تلك الليلة سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه « 1 » وقال لهم أطيعوا الشيخ عليا رضي اللّه عنه وأنا بريء من كل عمل يخالف هدي الخلفاء الراشدين والأئمة المجتهدين فأصبحوا واستغفروا وتابوا ورجعوا عن ذلك الفعل فقال لهم أنا رجل برهامي ولو كنت أعلم رضا سيدي إبراهيم بذلك لكنت أول فاعل له لأنه قدوتي وشيخي . وكذلك وقع له مع فقراء الأحمدية وكان شيخهم الشيخ الصالح سيدي عبد الرحمن ابن الشيخ وهيب السطوحي الأحمدي تلك الليلة فقال له يا شيخ عبد الرحمن إن كنت تطلع بلدنا فاطلعها على الكتاب والسنة وإلا فأنت مهجور فدارت فيه الكلمة ونادى بأعلى صوته يا فقراء تفرقوا عني فإني رجعت إلى اللّه تعالى عن هذه الطريقة ثم عقد

--> ( 1 ) أي في المنام .