عبد الوهاب الشعراني

171

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

مثل سلطان العشاق يتكلم فيه فقال لهم من سلطان العشاق ؟ فقالوا سيدي عمر بن الفارض فقال سيدي إبراهيم هذا وأمثاله ممن ملأ الأرض عياطا ما أعطى أحدهم من سر اللّه عز وجل ما يغطى شارب ناموسة . وكان يحط على من يسلك برضات البونى وغيره ويقول : وعزة ربى إن عباد الأصنام أحسن من هؤلاء فغن اللّه عز وجل أخبر عنهم أنهم كانوا يقولون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى « 1 » وهؤلاء اتخذوا أسماء اللّه المشرفة المعظمة لحصول أغراض خسيسة من مناصب الدنيا لو عرضت على عاقل بلا سؤال كان من الأدب ردها فكيف بمن يطلبها بمعصار التوجه والجوع ليلا ونهارا حتى يخف دماغه وبعضهم يحصل له الماليخوليا والجنون . وكان رضي اللّه عنه يلبس الصوف ويتعمم به وكان له طليحية حمراء ويقول : أنا أحمدى وكان رضي اللّه عنه يعمل في الغيط ويدير الماء وينظف القناة من الحشيش وكان إذا رأى إنسانا يعلم ما في نفسه وما هو مرتكبه من الفواحش . وجادته امرأة بولدها ليقرأ عنده في بركة الحاج فقال أنا ما أجمع عندي أحدا من الحرامية المقطوعين اليد فقالت أمه بسم اللّه حوالي ولدى فخرجت به إلى الخانكاة فسرق فقطعت يده وصدق الشيخ وكان الشيخ إذا جاءه جبة أو جوخة مثمنة يتحزم عليها بحبل ويعزق الغيط وهو لابسها ويقول : ليس لملابس الدنيا عندنا قيمة وكان إذا فارقه إنسان من مريديه إلى أصحاب الخلوات والرياضيات بهجره ويقول : له يا ولدى أنا أريد أن أجعلك رجلا وأنت تريد أن تصير كالبومة العمياء لا تنفع أحدا ، وأخباره مع الولاة وغيرهم مشهورة . وكان رضي اللّه عنه يقول : كل فقير لا يقتل بعدد شعر رأسه من الظلمة فليس بفقير وكان يعارض السلطان قايتباي في الأمور حتى قال له يوما السلطان إما أنا في مصر أو أنت فخرج سيدي إبراهيم رضي اللّه عنه متوجها نحو القدس فقالوا له إلى أين فقال إلى موضع تقف فيه حمارتى فوقفت بأسدود تجاه قبر سيدي سليمان رضي اللّه عنه فمات هناك سنة نيف وثمانين وثمانمائة وخلع عليه سيدي سليمان رضي اللّه عنه الشهرة فانطفأ اسمه من ذلك اليوم وصار الاسم لسيدي إبراهيم رضي اللّه عنه والمشهور بين الناس أنه خرج في غيظ من قايتباي وذلك لا يليق بمقام الشيخ لأن الكمل لا يغضبون لأنفسهم وإنما ينقلون من مكان إلى مكان لترابهم أو بنية صالحة أو غير ذلك واللّه أعلم .

--> ( 1 ) سورة الزمر : الآية 3 .