عبد الوهاب الشعراني

88

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان يقول كما لا تنظر الأبصار الضعيفة إلى شعاع الشمس كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة وكان يقول : لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة وأولاده كأنهم أيتام ويأوى إلى منازل الكلاب وكان رضي اللّه عنه لا يزيد في أكله وإدامه على الخبز والملح ويقول لنفسه أمامك الشواء والفرش في الدار الآخرة رضي اللّه عنه ، وكان يقول عليك بمجالس الذكر وحسن الظن بمولاك وكفى بهما خيرا رضي اللّه عنه . 88 - ومنهم عطاء السلمي رضي اللّه عنه : غلب عليه الحزن والخوف حتى مكث أربعين سنة على فراشه لا يقدر أن يقوم ولا يخرج من البيت ، وكان يومئ بالصلاة على فراشه ورأى مرة التنور وهو يسجر فغشى عليه رضي اللّه عنه ، يبكي الثلاثة أيام بلياليهن لا يرقأ له دمع وكان إذا بكى رؤي حوله بلل يظن أنه من أثر الوضوء وإنما هي دموعه ، وكان إذا خرج إلى جنازة يغشى عليه في الطريق مرات ويخر من على الدابة ثم يرجع ، وكانت كل بلية نزلت بالناس يقول هذا كله من أجل عطاء ، لو مات استراح الناس منه رضي اللّه عنه . 89 - ومنهم عتبة بن أبان الغلام رضي اللّه عنه : وسمى بالغلام لأنه كان في العبادة كأنه غلام رهبان لا لصغر سنه ، وقال عتبة الغلام رضي اللّه عنه جاءني عبد الواحد بن يزيد رضي اللّه عنه فقال : ما زال فلان يصف من قلبه منزلة لا أعرفها من قلبي فقلت : لأنك تأكل مع خبزك تمرا فقال : فإذا تركت التمر وصلت إليها فقلت له : نعم فجعل عبد الواحد يبكي وكان عتبة يأوى إلى المقابر والصحارى ويخرج إلى السواحل فيقيم فيها فإذا ، كان يوم الجمعة دخل البصرة فيشهد الجمعة ثم يأتي إخوانه فيسلم عليهم ، وكان قد غلب عليه الحزن وكانوا يشبهونه في الحزن بالحسن البصري رضي اللّه عنه . مات رضي اللّه عنه شهيدا في قتال الروم وكان يهجع بعد العشاء شيئا يسيرا ثم يقوم إلى الصباح وكان يلبس الشعر تحت ثيابه إلا يوم الجمعة ، وكان يلبس كساءين أغبرين يتزر بواحدة منهما ويرتدي بالأخرى ، وكان له بيت مغلق لا يفتحه إلا ليلا فلما مات فتحوه فوجدوا فيه قبرا محفورا وغلا من حديد رضي اللّه عنه .