عبد الوهاب الشعراني

319

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

ذوقا لا نقلا وفعلا لا قولا ، وتحلى في باطنه بحلية الاصطفاء بالسر والمعنى فتغنى وتكلم بالحكم ونطق بالمعجم وبالسر المكتم واطلع وحقق ، فما ينطق إلا صدقا ولا يتكلم إلا حقا ، وعند ذلك يصح له أن يدعو الخلق إلى اللّه تعالى . وكان رضي اللّه عنه يقول : يا ولد قلبي كن على حذر من الدخلاء والدخيل السوء وإن عاينت من أخيك عنفا أو حسدا فعاشره بالمعروف واحفظ نفسك عنه وأما صديقك فإن صدقك فاحفظه وما للمرء يا ولدي إلا أن يكون على حذر من جميع البشر فإنا في آخر زمان وقد قل النصح حتى لا تكاد تنظر ناصحا ، وعاد من توليه سرورا يوليك نكدا وشرورا ، ومن ترفعه يسعى أن يضعك ، ومن لم تحسن إليه يسيء إليك ، بل ثم من تحسن إليه يسيء إليك ، ومن تشفق عليه يود لو على الرماح رماك أو على الشوك داسك ، ومن تنفعه يضرك ، ومن توليه معروفا يوليك جفاء ومن تصله يقطعك ومن تطعمه يحرمك ، ومن تقدمه إن استطاع أخرك ومن تربيه يقول : أنا الذي ربيتك ومن تخلص له يغشك ومن تهش له يكش ، فوا عجبا للدنيا ولأهلها . وإذا كان النفاق ما خلا في أيام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكيف يخلو في قرن سابع فاستعمل يا ولدي الوحدة عن أهل السوء ، والكسب من أهل الخير ، وإن استطعت أن لا تصحب من تتعب في صحبته فافعل ، فإنك إن صحبته ندمت على صحبته ، وقد نصحتك يا ولدي وأما أهل التمكين في هذا الزمان فقد تركوا أخلاق الأراذل من الناس وغفروا لهم أفعالهم وغضوا أبصارهم عن نقائصهم وصموا آذانهم عن سماع أقوالهم وتركوا الكل للّه ، وطلبوا من اللّه تعالى لأهل هذا الزمان عفوا شاملا ، وقابلوا سيئاتهم بالحسنات ، ومضراتهم بالمسرات والمبرات . قلت : ويشهد لأهل التمكين قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ومن لا يمالئكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق اللّه ، وفيما فعله أهل التمكين دليل لغلق باب السلوك في هذا الزمان من باب أولى ، لأن معالجة أهله تشغل الفقير عن مهمات نفسه ، من غير ثمرة كما هو شاهد واللّه أعلم . وكان رضي اللّه عنه يقول : المريد مع شيخه على صورة الميت لا حركة ولا كلام ، ولا يقدر أن يتحدث بين يديه إلا بإذنه ، ولا يعمل شيئا إلا بإذنه من زواج أو سفر أو خروج أو دخول أو عزلة أو مخالطة أو اشتغال بعلم أو قرآن أو ذكر أو خدمة في الزاوية أو غير ذلك ، هكذا كانت طريق السلف والخلف مع أشياخهم ، فإن الشيخ هو والد السر ويجب