عبد الوهاب الشعراني
318
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
مضغة ، ولكن إذا فكرت في كنه العقل وجدت الرأس يدبر أمر الدنيا ووجدت القلب يدبر أمر الآخرة فمن جاء شاهد ، ومن رقد تباعد . وكان يقول : ليس أحدهم يقدم في الطريق بكبر سنه وتقادم عهده إنما يقدم بفتحه ومع هذا فمن فتح عليه منكم فلا يرى نفسه على من لم يفتح عليه ، وتأمل يا ولدي إبليس اللعين لما رأى نفسه على آدم عليه السلام ، وقال أنا أقدم منه وأكثر عبادة ونورا كيف لعنه اللّه تعالى وطرده . وكان يقول : يجب على حامل القرآن أن لا يملأ جوفه حراما ولا يلبس حراما ، فإن فعل ذلك لعنه القرآن من جوفه ، وقال لعنة اللّه على من لم يجل كلام اللّه تعالى . وكان يقول : من أحب أن يكون ولدي فليحبس نفسه في قمقم الشريعة ، وليختم عليها بخاتم الحقيقة ، وليقتلها بسيف المجاهدة وتجرع المرارات ، ومن أرى أن له عملا سقط من عين ربه وحرم من ملاحظته . وكان يقول : العارف يرى حسناته ذنوبا ولو آخذه اللّه تعالى بتقصيره فيها لكان عدلا . وكان يقول : يا أولادي اطلبوا العلم ولا تقفوا ولا تسأموا فإن اللّه تعالى قال لسيد المرسلين : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 1 » ، فكيف بنا ونحن مساكين في أضعف حال وآخر زمان وسبب طلب الزيادة من العلم إنما هي للأدب يعني اطلب الزيادة من العلم لتزداد معي أدبا على أدبك وما قدروا اللّه حق قدره . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا ألبس مريدا الخرقة اعلم يا ولدي أن صحة هذه الطريق وقاعدتها ومجلاها ومحكمها الجوع ، فإن أردت السعادة فعليك بالجوع ، ولا تأكل إلا على فاقة ، فإن الجوع يغسل من الجسد موضع إبليس فيا ولدي تريد شربة بلا حمية هذا لا يكون . وكان يقول : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بواطنكم بنور اللّه تعالى ، فيجد فيها ما يسخط اللّه تعالى ، فإن أحببت يا ولدي أن تسمع وتبصر وتعقل فضع في باطنك الفوائد ولا تقنع ببوس اليد ولا بالرياسة ، ولا يكمل الفقير إلا إن تكلم بمعاني الحقيقة
--> ( 1 ) سورة طه : الآية 114 .