عبد الوهاب الشعراني

317

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

خروج أنفاسه ويخاف من حسناته ، كما يخالف المذنب من سيئاته والأبرار لا يقدرون على هذا الحال وأيضا فالمقرب لا يقول : عند شرابه أواه ولا ما أحلاه ، ولا يصفق بكف ولا يصرخ ولا يشق ولا يضرب برأسه الحجر ، ولا يهيم ولا يمشي على الماء ولا يقفز في الهواء ، فلما لم يقع منه شيء من ذلك أثبته أهل الطريق ، ونفوا عنه فعل ذلك لقلة ثبوته على الواردات ، مع أنهم سلموا له حال غلبته عليه ، وجعلوا حسناته سيئات مع أن المقربين ليس لهم سيئات ، إنما هي محاسبات عاليات نفيسات . وكان يقول : كيف يدعي أحدكم أنه من الصالحين وهو يقع في الأفعال الردية ، ويأكل طعام المساكين وأهل الرشا والربا والظلمة وأعوانهم ، وكيف يدعي أنه من الصالحين وهو يقع في الكذب والغيبة والوقيعة في الناس وفي أعراضهم ، وكيف يطلب أن يكتب عند اللّه صادقا أو وليا أو حبيبا أو زكيا أو رضيا ، وهو يقع في شيء من المناهي ، ولعمري هذا الآن لم يتب فكيف يدعي الطريق أو يتوب غيره . وكان يقول : إن أردت يا ولدي أن تفهم أسرار القرآن العظيم فاقتل نفس دعواك واذبح شبح قولك واطرح نفس نفسيتك تحت قدم أقدامك ، وعفر خديك على الثرى واشهد أن نفسك قبضة من تراب ، واعترف بكثرة ذنوبك وخف أن يرد عليك عبادتك ، وقل يا ترى مثلي يقبل منه عمل ، فإذا كنت على هذا الوصف فيرجى لك أن تشم رائحة من معاني كلام ربك ، وإلا فباب الفهم عنك مغلق ، وعزة ربي إن كل حرف من القرآن العظيم يعجز عن تفسيره الثقلان ، ولو اجتمع الخلق كلهم أن يعلموا العبد وإلا فهو عائم في البحر ، مزكوم محجوب لا شم ولا لم ولا علم ولا حس ، ومن لم يذق مقام القوم ويرى ويشاهد لم يحسن أن يصف بحر الإقرار له أو يترجم عن ساحل لا آخر له ، أو يعوم في قعر التخوم أو يصل إلى النون ، أو يدرك معاني السر المصون ، وأما إذا أعطى عبد علم فذلك فلا مانع . وكان رضي اللّه عنه يقول : شراب القوم لا يشربه من في قلبه عكر دنس ولا بقايا غلس ولا حظوظ نفسانية ولا دعاوي شيطانية ولا كبر ترف ولا نفس ثائرة . وكان رضي اللّه عنه يقول : كم من علم يسمعه من لا يفهمه فيتلفه ولذلك أخذت العهود على العلماء أن لا يودعوا العلم إلا عند من له عقل عاقل وفهم ثاقب . وكان يقول : الصحيح من قول العلماء أن العقل في القلب لحديث : إن في الجسد