عبد الوهاب الشعراني
299
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
ذلك فقد أدرك الشريعة والحقيقة وليس في هذا تعطيل العلماء بل العلم ابن للعمل وإنما قلنا ذلك من أجل قول اللّه تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ « 1 » ولكل فرقة منهاج وإلا فقد يجمع اللّه العلم والعمل في رجل واحد يفيد الناس كل الفوائد الشرعية هي الشجرة والحقيقة هي الثمرة . وكان يقول : الطريق إلى اللّه تعالى تفنى الجلاد وتفتت الأكباد وتضني الأجساد وتدفع السهاد وتسقم القلب وتذيب الفؤاد فإن ارتفع الحجاب سمع الخطاب وقرأ من اللوح المحفوظ « 2 » الرموز ، واطلع على معان دقت وشرب بأوان رقت ، فكان مع قلبه ثم يكون مع مقلبه لا مع قلبه ؛ لأن اللّه يحول بين المرء وقلبه ، فإذا خرج عن الكل طال لسانه بلا لسان مع شدة اجتهاده وأعماله الظاهرة ثم الباطنة ثم بعد ذلك لا حركة ولا كلام ولا تسمع إلا همسا إنما هو سمت بلا حس ثم يصفو من صفاء الصفاء ووفاء الوفاء ويخلص من إخلاص الإخلاص في الإخلاص للإخلاص ثم يقترب بما يكون به جليسا فإن المجالسة لها آداب أخر خاصة يعرفها العارفون . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا كمل العارف في مقام العرفان أورثه اللّه علما بلا واسطة وأخذ العلوم المكتوبة في ألواح المعاني ففهم رموزها وعرف كنوزها وفك طلسماتها وعلم اسمها ورسمها وأطلعه اللّه تعالى على العلوم المودعة في النقط ولولا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول . وكذلك لهم من إشارات العبارات عبارات معجمة وألسن مختلفة ، وكذلك لهم في معاني الحروف والقطع والوصل والهمز والشكل والنصب والرفع ما لا يحصر ولا يطلع عليه إلا هم ، وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء ، وما في جباه الإنس والجان مما يقع لهم في الدنيا والآخرة وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب بلا كتابة من جميع ما فوق الفوق وما تحت التحت « 3 » ، ولا عجب من حكيم يتلقى علما من حكيم عليم فإن مواهب السر اللدني قد ظهر بعضها في قصة موسى والخضر عليهما السلام . وكان رضي اللّه عنه يقول : من الأولياء من لا يدري الخطاب ولا الجواب فهو كالحجارة
--> ( 1 ) سورة المزمل : الآية 20 . ( 2 ) لا دليل شرعي على ذلك . ( 3 ) هذه أمور ليس لها ما يؤيدها .