عبد الوهاب الشعراني
271
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وطريقة ، واستغراق الوجود في طي العدم للصديقين تفريد التوحيد ، وللأبرار تحقيق التجريد ، واستعدام البقاء في برق الأزل للشهداء حياة قرب ، واستدامة رزق ، وللصالحين نسيم روح واسترواح ريحان ومعارف جنة نعيم ، فبفناء القرب في عين المشاهدة كان عقلا وباضمحلال العلم في بحر الجمع كان روحا ، وباستهلاك الفناء في بحر الأزل كان سرا ، وباستغراق الوجود في طي العدم كان ذرا ، وباستعدام البقاء في برق الأبد كان ذاتا كاملة الوجود وتامة التقويم ، فبالعقل بين الإيمان والروح يثبت الخطاب ، وبالسر يفهم الأمر ، وبالذر ظهر الحكم ، وبالذات وقعت الحركة فالحركة ظاهر الحكم ، والحكم ظاهر الأمر والأمر ظاهر الخطاب والخطاب ظاهر الإيمان والإيمان ظاهر الصفات والصفات ظاهر الذات . فالإيمان بصيرة العقل وسر بصيرة الروح والأمر بصيرة الحكم والحكم بصيرة الحركة وذلك حقيقة ما يكشف للعارف المنتهى في درجة المعرفة . وكان رضي اللّه عنه يقول : العلوم ثلاثة علم من اللّه تعالى وهو العلم بالأمر ، والنهي والأحكام والحدود وعلم معه اللّه تعالى وهو علم الخوف والرجاء والمحبة والشوق وعلم باللّه تعالى وهو علم بنعوته وصفاته وعلم الظاهر علم الطريق وعلم الباطن علم المنزل وعلم الحكم علم الشرع وكل باطن لا يقيمه ظاهر فهو باطل . وكان رضي اللّه عنه يقول : أصل العقل الصمت وباطنه كتمان الأسرار وظاهره الاقتداء بالسنة . وكان يقول : من وقع في أولياء اللّه تعالى ابتلاه اللّه تعالى بانعقاد لسانه عن النطق بالشهادتين عند الموت ، ولقد كان شخص من أكابر بلدنا يقع في الفقراء فحضرته الوفاة فقالوا له قل لا إله إلا اللّه فقال لا أستطيع ذلك فعلمت من أين أتى فدخلت الحضرة وجعلت أترضى بخاطرهم حتى رضوا عنه فأطلق لسانه وأسأل اللّه تعالى قبول توبته . ورأى رضي اللّه عنه رجلا يحدق إلى امرأة ببصره فنهاه فلم ينته فقال اللهم أعم بصره فعمي في الحال ، فجاء بعد سبعة أسام وتاب واستغفر فقال اللهم رد عليه بصره إلا في معاصيك فرد اللّه عليه بصره في الحال ، وكان إذا أراد بعد ذلك أن ينظر إلى محرم حجب عنه بصره ثم يعود إليه ، وجاءه رجل أعمى فقال أنا ذو عيال وقد عجزت عن الكسب فقال اللهم نور عليه بصره فخرج من المسجد بصيرا بعد عشرين سنة ومات