عبد الوهاب الشعراني
265
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
المحفوظ « 1 » وأنه من أولادي ، ومن كلامه رضي اللّه عنه المشاهدة هي ارتفاع الحجب بين العبد وبين الرب فيطلع بصفاء القلوب على ما أخبره به من الغيب « 2 » فيشاهد الجلال والعظمة وتختلف عليه الأحوال والمقامات فتداخله الحيرة والدهشة ثم تخرجه الحيرة إلى البهتة فتراه شاخصا بالحق إلى الحق وتارة يشاهد الجلال وتارة يطالع الجمال وتارة يرى البهاء وتارة ينظر إلى الكمال وتارة يلوح له الكبرياء والعزة وتارة يبدو له الجبروت والعظمة وتارة يشهد اللطف والبهجة فهذا يبسطه وهذا يقبضه وهذا يطويه وهذا ينشره وهذا يفقده وهذا يوجده وهذا يبديه وهذا يعيده وهذا يفنيه وهذا يبقيه . فهو زائل عن نعوت البشرية قائم بصفات العبودية لا يحس بالأغيار ولا يشهد غير عظمة الجبار . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا قدحت نار التعظيم مع نور الهيبة في زناد السر تولد منها شعاع المشاهدة فمن شاهد الحق عز وجلّ في سره سقط الكون من قلبه وإذا توالت المشاهدة على القوم تولاهم الحق تعالى ثم حجبهم فجذبوا من الحيرة في نور المشاهدة إلى الحيرة في نور الأزل ثم اختطفوا من الدهشة في قدس الأنس إلى الدهشة في عين الجمع فمن حائر بين الاستتار والتجلي ومن هائم بين البعد والتداني ومن ساكت بين الوصل والتعالي وهو محل الاستقامة والتمكين وذلك صفة الحضرة ليس فيها سوى الذبول تحت موارد الهيبة . قال اللّه عز وجلّ : فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا « 3 » ، وقال في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا « 4 » معناه استقاموا على المشاهدة لأن من عرف اللّه تعالى لا يهاب غيره ومن أحب شيئا لا يطالع سواه ، وكانت نفقته من الغيب ، وكان رضي اللّه عنه من الأكراد وسكن صحراء من صحاري العراق بالقرب من قنطرة الرصاص على يوم من سامرا واستوطنها إلى أن مات رضي اللّه عنه بها مسنا وبها دفن وقبره ظاهر يزار ، وعمر الناس عنده قرية يطلبون البركة بذلك رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) ليس هناك دليل على أنه أحدا يستطيع الاطلاع على اللوح المحفوظ . ( 2 ) لا يعلم الغيب إلا اللّه قال اللّه تعالى : [ عالم الغيب لا يظهر على غيبة أحدا إلا من ارتضى من رسول ] سورة الجن ( 26 . 27 ) . ( 3 ) سورة الأحقاف : الآية 46 . ( 4 ) سورة فصلت : الآية 30 .