عبد الوهاب الشعراني

264

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان يقول : الصمت عبادة من غير عناء وزينة من غير حلي وهيبة من غير سلطان وحصن من غير سور وراحة للكاتبين وغنية عن الاعتذار . وكان رضي اللّه عنه يقول : كفى بالمرء علما بأن يخشى اللّه تعالى وكفى به جهلا أن يعجب بنفسه والعجب فضله حمق يغطي به صاحبه عيوب نفسه فلا تتغطى . وكان يقول : ما خلق اللّه تعالى من عجيبة إلا ونقشها في صورة الآدمي ولا أوجد أمرا غريبا إلا وسلطه وفيها ولا أبرز سرا إلا وجعل فيها مفتاح علمه فهو نسخة مختصرة من العالم . وكان يقول : السكر من مقامات المحبين خاصة فإن عيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه . وكان يقول : للسكر ثلاث علامات : الضيق عن الاشتغال بالسوى والتعظيم قائم واقتحام لجة الشوق والتمكين دائم ، ومن كانت سكرته بالهوى كان صحوه إلى ضلالة وجاءه رجل يودعه وهو يريد الحج على قدم التجريد والوحدة ولا يستصحب زادا ولا أحدا فأخرج له الشيخ ماجد ركوته وأعطاها له وقال إنك تجد فيها ماء إن أردت الوضوء ولبنا إن عطشت وسويقا إن جعت فكان الرجل من طول سفره من جبل حمرين بالعراق إلى مكة وفي مدة إقامته في الحجاز وفي رجوعه من الحجاز إلى العراق إذا أراد الوضوء توضأ منها ماء مالحة ، وإذا أراد الشرب شرب منها ماء حلوا وإذا أراد الغذاء شرب لبنا وعسلا وسويقا أحلى من السكر ، سكن رضي اللّه عنه جبال حمرين من أرض العراق واستوطنه إلى أن مات سنة إحدى وستين وخمسمائة وقبره بها ظاهر يزار رضي اللّه عنه . 269 - ومنهم الشيخ جاكير رضي اللّه تعالى عنه : هو من أكابر المشايخ وأعيان العارفين المقربين وأئمة المحققين ، وهو أحد أركان هذه الطريقة وكان تاج العارفين أبو الوفاء يثني عليه وينوه يذكره بعث إليه طاقيه مع الشيخ علي بن الهيتي وأمره بأن يضعها على رأسه نيابة عنه ولم يكلفه الحضور إليه ، وقال سألت اللّه تعالى أن يكون جاكير مريدي فوهبه لي وكان المشايخ بالعراق يقولون انسلخ الشيخ جاكير من نفسه كما انسلخت الحية من جلدها . وكان يقول : ما أخذت العهد قط على مريد حتى رأيت اسمه مكتوبا في اللوح