عبد الوهاب الشعراني
25
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
حضرتهم ويصير مثلهم كما هو شأن من يريد التقرب إلى ملوك الدنيا قلت : ومن هنا أخفى الكاملون من أهل طريق الكلام في مقامات التوحيد الخاص شفقة على عامة المسلمين ، ورفقا بالمجادل من المحجوبين ، وأدبا مع أصحاب ذلك الكلام من أكابر العارفين . وكان الجنيد رضي الله عنه لا يتكلم قط في علم التوحيد إلا في قعر بيته بعد أن يغلق أبواب داره ويأخذ مفاتيحها تحت وركه ويقول : أتحبون أن يكذب الناس أولياء اللّه تعالى وخاصته ويرمونهم بالزندقة والكفر وكان سبب فعله ذلك تكلمهم فيه كما سيأتي آخر هذه المقدمة فكان بعد ذلك يستتر بالفقه إلى أن مات رضي الله عنه ، وكان الشيخ محيي رضي الله عنه يقول : من لم يقم بقلبه التصديق لما يسمعه من كلام هذه الطائفة فلا يجالسهم فإن مجالستهم من غير تصديق سم قاتل . وكان سيدي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى يقول : كثير من كلام الصوفية لا يتمشى ظاهره إلا على قواعد المعتزلة والفلاسفة فالعاقل لا يبادر إلى الإنكار بمجرد عزو ذلك الكلام إليهم بل ينظر ويتأمل في أدلتهم التي استندوا إليها فما كل ما قاله الفلاسفة والمعتزلة في كتبهم يكون باطلا ، وإنما حذر بعضهم عن مطالعة كتبهم خوفا من حصول شبهة تقع في قلب الناظر لا سيما أهل الإنكار والدعاوى . ورأيت في رسالة سيدي الشيخ محمد المغربي الشاذلي رضي الله عنه ما نصه : اعلم أن طريق القوم مبني على شهود الإثبات ، وعلى ما يقرب من طريق المعتزلة في بعض الحالات وهي حالة شهود غيبة الصفات في شهود وحدة جمال الذات ، حتى كأن لا صفات وهذه الحالة وإن كان غيرها أرفع منها فهي عزيزة المرام شديدة الإيهام موقعة في سوء الظن في السادة الكرام لشبهها بمذهب المعتزلة ولا شبهة في تلك الحالة فليتنبه السالك لذلك وليحذر من الوقيعة من القوم فإنها من أعظم المهالك . انتهى . قلت : ومن الأولياء من سد باب الكلام في دقائق كلام القوم حتى مات . وأحال ذلك على السلوك وقال من سلك طريقهم اطلع على ما اطلعوا عليه وذاق كما ذاقوا واستغنى عن كلام الناس ، وسيأتي في ترجمة عبد اللّه القرشي رضي الله عنه أن أصحابه طلبوا منه أن يسمعهم شيئا من علم الحقائق فقال لهم : كم أصحابي اليوم قالوا ستمائة رجل فقال الشيخ اختاروا لكم منه مائة فاختاروا فقال اختاروا من المائة عشرين