عبد الوهاب الشعراني

26

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

فاختاروا فقال اختاروا من العشرين أربعة فاختاروا قلت : وكان هؤلاء الأربعة أصحاب كشوفات ومعارف فقال الشيخ لو تكلمت عليكم في علم الحقائق والأسرار لكان أول من يفتي بكفري هؤلاء الأربعة . أه . قلت : ولا يجوز أن يعتقد في هؤلاء السادة أنهم زنادقة في الباطن لكتمهم ما هم متحققون به في الباطن عن العلماء والعوام وإنما يجب علينا حملهم على المحامل الحسنة من كوننا جاهلين باصطلاحاتهم فإن من لم يدخل حضرتهم لا يعرف حالهم فما أغلقوا أبوابهم عليهم في حالة تقريرهم للعلوم إلا لكون غور بحر ذلك العلم عميقا على غالب الناس من العلماء فضلا عن غيرهم كما تقدم عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه كان إذا أتاه سؤال متعلق بالقوم يرسل إلى أبي حمزة البغدادي رضي الله عنه ويقول ما تقول في هذا يا صوفي . ولا يسع العارف أن يتكلم بكلام واحد يعم سائر الناس على اختلاف درجاتهم لأن ذلك من خصائص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على نزاع في ذلك أيضا فإنه كان يقول : أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم فافهم وتأمل فإن من لا علم له بالطريق إذا سمع الفقير يقول حقيقة التوبة هي التوبة من التوبة كيف يقول منطوق هذا الكلام وفحواه خطأ لأن التوبة من التوبة إصرار ، فإن فسر له الفقير مراده على مصطلحه وقال مرادي عدم تزكية نفسي وعدم الاعتماد على التوبة دون رحمة اللّه عزّ وجل لا الإصرار كيف يقول له هذا الكلام مليح الآن وقد كان أنكره أولا لأن من شأن القوم أن يشهدوا أعمالهم بغير الرياء والدعاوى ، ولا يشهدون لهم إخلاصا ومثل ذلك يصحح تقرير قول بعضهم حقيقة التقوى هي ترك ونظير ذلك أيضا قول سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه : وقلت لزهدي والتنسك والتقى * تخلوا وما بيني وبين الهوى خلوا وكذلك قوله : تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا * وخل سبيل الناسكين وإن جلوا لأن من لا إلمام له بمصطلح أهل الطريق ، ينكر مثل ذلك ويقول ترك الزهد والعبادات والتقوى مذموم بل بذلك يذهب دين العبد كله ، فكيف يجوز اعتقاد صاحب هذا الكلام ، ولو كان له إلمام بالطريق لعلم أن مراد الشيخ عدم الوقوف على