عبد الوهاب الشعراني
24
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وأما التحميد فهو الثناء على اللّه تعالى بما يليق بجماله وجلاله وهما مزيلان لمرض ضيق الصدر الحاصل من قول المنكرين والمستهزئين . وأما السجود فهو كناية عن طهارة العبد من طلب العلو والرفعة لأن الساجد قد فنى عن صفة العلو حال سجوده ولذلك شرع للعبد أن يقول في سجوده « سبحان ربي الأعلى وبحمده » . وأما العبودية المشار إليها بقوله : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 1 » فالمراد بها إظهار التذلل والتباعد عن طلب العز وهي إشارة إلى فناء العبد ذاتا ووصفا وذلك موجب لخلع القرب والاصطفاء والعز والدنو المشار إليه بقوله : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ « 2 » وبحديث « لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحييته كنت له سمعا وبصرا » الحديث . والنوافل عند أهل الطريق إشارة إلى فناء العبد في شهود نفسه عند شهود ربه عزّ وجل ، وأما اليقين فهو من يقن الماء في الحوض إذا استقر وذلك إشارة إلى حصول الكون والاستقرار والاطمئنان بزوال التردد والشكوك والوهم والظنون . قال الشيخ محيي الدين رضي الله عنه ، وهذا السكون والاستقرار والاطمئنان إذا أضيف إلى العقل والنفس يقال له علم اليقين وإذا أضيف إلى الروح الروحاني يقال له عين اليقين ، وإذا أضيف إلى القلب الحقيقي يقال له حق اليقين ، وإذا أضيف إلى السر الوجودي يقال له حقيقة حق اليقين ولا تجتمع هذه المراتب كلها إلا في الكامل من الرجال . انتهى . وكان الجنيد رحمه اللّه تعالى يقول كثيرا للشبلي رحمه اللّه تعالى : لا تفش سر اللّه تعالى بين المحجوبين ، وكان رضي الله عنه يقول : لا ينبغي للفقير قراءة كتب التوحيد الخاص إلا بين المصدقين لأهل الطريق ، أو المسلمين لهم ، وألا يخاف حصول المقت لمن كذبهم وقد تقدم عن أبي تراب النخشبي رضي الله عنه أنه كان يقول في حق المحجوبين من أهل الإنكار إذا ألف القلب الإعراض عن اللّه تعالى صحبته الوقيعة في أولياء اللّه . قلت : وذلك لأنه لو كان من المقبلين بقلوبهم على حضرة اللّه تعالى لشم روائح أهل حضرة ربه فتأدب معهم ومدحهم وأحبهم وخدم نعالهم حتى يقربوه إلى
--> ( 1 ) سورة الحجر : الآية 99 . ( 2 ) سورة العلق : الآية 19 .