عبد الوهاب الشعراني

228

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكنت أمشى حافيا في الشوك وغيره ، وكنت أقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخس من شاطئ النهر ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدات حتى طرقني من اللّه تعالى الحال ، وقال له رجل مرة كيف الخلاص من العجب فقال رضي اللّه عنه من رأى الأشياء من اللّه وأنه هو الذي وفقه لعمل الخير وأخرج نفسه من البين فقد سلم من العجب ، وقيل له مرة ما لنا لا نرى الذباب يقع على ثيابك فقال أي شيء يعمل الذباب عندي وأنا ما عندي شيء من دبس الدنيا ولا عسل الآخرة . وكان رضي اللّه عنه يقول يا رب كيف أهدى إليك روحي وقد صح بالبرهان أن الكل لك وكان رضي اللّه عنه يتكلم في ثلاثة عشر علما وكانوا يقرءون عليه في مدرسته درسا من التفسير ودرسا من الحديث ودرسا من المذهب ودرسا من الخلاف وكانوا يقرءون عليه طرفي النهار التفسير وعلوم الحديث والمذهب والخلاف والأصول والنحو وكان رضي اللّه عنه يقرأ القرآن بالقراءات بعد الظهر . وكان يفتى على مذهب الإمام الشافعي ، والإمام أحمد بن حنبل رضى اللّه عنهما ، وكانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه ورفع إليه سؤال في رجل حلف بالطلاق الثلاث إنه لا بد أن يعبد اللّه عز وجلّ عباده ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها فما ذا يفعل من العبادات فأجاب على الفور يأتي مكة ويخلى له المطاف ويطوف سبعا وحده وينحل يمينه فأعجب علماء العراق وكانوا قد عجزوا عن الجواب عنها ، ورفع له شخص أدعى أنه يرى اللّه عز وجلّ بعيني رأسه فقال أحق ما يقولون عنك ؟ فقال نعم فانتهره ونهاه عن هذا القول وأخذ عليه أن لا يعود إليه . فقيل للشيخ أمحق هذا أم مبطل ؟ فقال : هذا محق ملبس عليه وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال ثم خرق من بصيرته إلى بصره لمعه فرأى بصره ببصيرته وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده ، فظن أن بصره رأى ما شهده ببصيرته وإنما رأى بصره ببصيرته فقط وهو لا يدرى قال اللّه تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ « 1 » وكان جمع من المشايخ وأكابر العلماء حاضرين هذه الواقعة فأطربهم سماع هذا الكلام ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال الرجل ومزق جماعة ثيابهم وخرجوا عرايا إلى الصحراء .

--> ( 1 ) سورة الرحمن : الآيات 19 - 20 .