عبد الوهاب الشعراني
229
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وكان رضي اللّه عنه يقول تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق ثم تدلى فيه صورة تنادينى يا عبد اللّه القادر أنا ربك وقد حللت لك المحرمات ، فقلت : أخسأ يا لعين فإذا ذلك النور ظلام وتلك الصورة دخان ثم خاطبني يا عبد القادر نجوت منى بعلمك بأمر ربك وفقهك في أحوال منازلاتك ، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فقلت للّه الفضل ، فقيل له كيف علمت أنه شيطان قال بقوله قد حللت لك المحرمات وسئل رضي اللّه عنه عن صفات الموارد الإلهية والطوارق الشيطانية فقال الوارد الإلهى لا يأتي باستدعاء ولا يذهب بسبب ، ولا يأتي على نمط واحد ولا في وقت مخصوص والطارق الشيطاني بخلاف ذلك غالبا ، وسئل رضي اللّه عنه عن الهمة فقال هي أن يتعرى العبد بنفسه عن حب الدنيا وبروحه عن التعلق بالعقبى ، وبقلبه عن إرادته مع إرادة المولى ، ويتجرد بسره عن أن يفسح الكون أو يخطر على سره وسئل رضي اللّه عنه عن البكاء فقال أبك له وأبك منه وابك عليه ولا حرج . وسئل رضي اللّه عنه عن الدنيا فقال : أخرجها من قلبك إلى يدك فإنها لا تضرك . وسئل رضي اللّه عنه عن الشكر فقال حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع ومشاهدة المنة وحف الحرمة على وجه معرفة العجز عن الشكر وكان يقول الفقير الصابر مع اللّه تعالى أفضل من الغنى الشاكر له والفقير الشاكر أفضل منهما والفقير الصابر الشاكر أفضل منهم وما خطب البلاء إلا من عرف المبلى ، وسئل رضي اللّه عنه عن حسن الخلق فقال : هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق واستصغار نفسك وما منها معروفة بعيوبها واستعظام الخلق وما منهم نظروا إلى ما أودعوا من الإيمان أو الحكم . وسئل رضي اللّه عنه عن البقاء فقال : البقاء لا يكون إلا مع اللقاء واللقاء يكون كلمح البصر أو هو أقرب ، ومن علامة أهل اللقاء أن لا يصحبهم في وصفهم به شيء فإن لأنهما ضدان وكان يقول متى ذكرته فأنت محب ومتى سمعت ذكره لك فأنت محبوب وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك ولما اشتهر أمره في الآفاق اجتمع مائة فقيه من أذكياء بغداد يمتحنونه في العلم فجمع كل واحد له مسائل وجاء إليه وأجاب الجميع عما كان عندهم فاعترفوا بفضله وكان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره مع الصغر والجارية ويجالس الفقراء ويفلى لهم ثيابهم وكان لا يقوم قط لأحد من العظماء ولا أعيان الدولة ولا ألم قط بباب وزير ولا سلطان .