عبد الوهاب الشعراني
20
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
على ظاهر النقول حتى لا تكاد تخرجه عن آحاد طلبة العلم القاصرين ، ومنهم من يكون ستره بالمزاحمة على الدنيا وتظاهره بحب الرياسة والملابس الفاخرة وهو على قدم عظيم في الباطن . ومنهم من يكون ستره كثرة التردد إلى الملوك والأمراء والأغنياء وسؤالهم الدنيا وطلبه الوظائف ، من تدريس وخطابة وإمامة وعمالة ونحو ذلك فيقوم فيها بالعدل ويتصرف في ذلك بالمعروف على الوجه الذي لا يهتدي إلى معرفته غيره من الأمراء والعمال وآحاد الفقهاء ثم لا يأكل هو من معلومها شيئا أو يأكل منه سد الرمق لا غير . فيقول القاصر في الفهم والإدراك لو كان هذا وليا اللّه عزّ وجل ما تردد إلى هؤلاء الأمراء ولجلس في زاويته أو بيته يشتغل بالعلم والعبادة ربه عزّ وجل ورحم اللّه تعالى الأولياء الذين كانوا ، ونحو ذلك من ألفاظ الجور ، ولو استبرأ هذا القائل لدينه وعرضه لتوقف وتبصر في أمر هؤلاء الأولياء والعلماء قبل أن ينتقد عليهم فربما كان يتردد إليهم لكشف ضر أو خلاص مظلوم من سجن ، أو قضاء حاجة لأحد من عباد اللّه العاجزين الذين لا يستطيعون توصيل حوائجهم إلى تلك الأمراء فيسألون في ذلك من يعتقد فيه من الأولياء والعلماء ، فيجب عليهم الدخول لتلك المصالح ، ويحرم عليهم التخلف عنهم لا سيما إن رأينا ذلك المتردد من الأولياء والعلماء زاهدا فيما في أيديهم متعززا بعز الإيمان وقت مجالستهم ، آمرا لهم بالمعروف ناهيا لهم عن المنكر ، لا يقبل هدية ممن شفع له عندهم فإن هذا من المحسنين ، ولا يجوز لأحد الاعتراض عليه بسبب ذلك . وقد سمعت سيدي عليا الخواص رضي الله عنه يقول : إذا علم الفقير من أمراء الجور أنهم يقبلون نصحه لهم وشفاعته عندهم ، وجب عليه صحبتهم والدخول إليهم وصاحب النور يعرف ما يأتي وما يذر . انتهى . قلت : ومن الأولياء من يكون ستره قبوله من الخلق ما يعطونه له من الهدايا والصدقات ثم يخلط عليه من ماله ويعلم الناس بأن ذلك كله من صدقات الناس الأجانب ويمدح الناس الذين أعطوه بالكرم ويوهم الناس أنه انتقص من ذلك المال لنفسه وعياله من وراء الفقراء أشياء بنحو قوله من يقدر في هذا الزمان أن يأخذ مالا ويفرقه على الفقراء ولا يحدث نفسه بانتقاص شيء منه ولا يسعنا كلنا إلا العفو