عبد الوهاب الشعراني

21

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

ويكون مأكولا مذموما ، وهذا من أكبر أخلاق الرجال الذين أخلصوا في معاملة اللّه عزّ وجل فإنه لا يهتدي أحد إلى كماله الذي هو عليه في باطن الحال مع ظهور احتقاره في أعين الناس واستهانتهم به فإن الرجل إذا قبل من الخلق صغر في أعينهم ضرورة كما أن من رد عليهم كبر في أعينهم ولعل ذلك الراد إنما رد رياء وسمعة واستئلافا لقلوب الناس عليه ليتوجهوا إليه بالتعظيم والتبجيل ويطلقوا ألسنتهم فيه بالثناء الحسن . وقد قال الفضيل بن عياض رحمه اللّه : من طلب الحمد من الناس بتركه الأخذ منهم فإنما يعبد نفسه وهواه وليس من اللّه في شيء قلت ومعنى يعبد : يطيع ، وكان يقول أيضا : ينبغي لمن يخاف على نفسه من فتنة الرد أن يأخذ ثم يعطيه سرا لمن يستحقه ولا يأخذ هو لنفسه منه شيئا فإنه بذلك يأمن من الفتنة إن شاء اللّه تعالى . قال الشيخ محيي الدين رحمه اللّه تعالى : ومما يفتح باب قلة الاعتقاد في أولياء اللّه تعالى وقوع زلة ممن تزيا بزيهم وانتسب إلى مثل طريقهم والوقوف مع ذلك من أكبر القواطع عن اللّه عزّ وجل وقد قال تعالى : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً « 1 » - وقال : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 2 » فمن أين يلزم من إساءة واحد أن يكون جميع أهل حرفته كذلك ؟ ما هذا إلا محض عناد وتعصب بباطل . كما قال بعضهم في ذلك : استنار الرجال في كل عصر * تحت سوء الظنون قدر جليل ما يضر الهلال في حندس الليل * سواد السحاب وهو جميل قلت ومن أشد حجاب عن معرفة أولياء اللّه عز وجل شهود المماثلة والمشاكلة وهو حجاب عظيم وقد حجب اللّه به أكثر الأولين والآخرين كما قال تعالى حاكيا عن قوم : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ « 3 » وقال تعالى : وقالوا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ « 4 » وقال سبحانه : فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ « 5 » .

--> ( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 38 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 164 . ( 3 ) سورة الفرقان : الآية 7 . ( 4 ) سورة المؤمنون : الآية 33 . ( 5 ) سورة القمر : الآية 24 .