عبد الوهاب الشعراني

193

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان رضي اللّه عنه يقول الإشارة الإبانة عما يتضمنه الوجد من المشار إليه لا غير ، وفي الحقيقة أن الإشارة تصحبها العلل ، والعلل بعيدة عن الحقائق . وسئل عمن سمع الملاهي ويقول هي لي حلال لأنى قد وصلت إلى درجة لا تؤثر في الاختلاف ، فقال نعم ولكن إلى سقر ، وكان يقول لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد لما بقي محب إلا مات ، وكان يقول كيف تشهده الأشياء وبه فنيت بذواتها عن ذواتها أم كيف غابت الأشياء عنه وبه ظهرت بصفاتها ، فسبحان من لا يشهده شيء ولا يغيب عنه شيء ، وكان يقول لما تشوقت القلوب إلى مشاهدة ذات الحق ألقى عليها الأسامى فسكنت وركنت إليها والذات متسترة إلى أوان التجلي وذلك قوله تعالى ، وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها « 1 » أي قفوا معها على إدراك الحقائق . وكان يقول أظهر الحق الإسلامي وأبداها للخلق ليسكن لها قبول المحبين ويؤنس بها قلوب العارفين له ، وكان يقول المشاهدات للقلوب والمكاشفات للاسرار والمعاينات للبصائر والمرئيات للأبصار ، وكان يقول من نظر إلى نفسه مرة عمى عن النظر إلى شيء من الأكوان على وجه الاعتبار ، وكان رضي اللّه عنه يقول ما أدعى أحد قط إلا لخلوه عن الحقائق ولو تحقق في شيء لنطقت عن الحقيقة وأغنته عن الدعاوى ، وكان يقول التصوف هو الإناخة على باب الحبيب وإن طرد ، وسئل رضى اللّه عنه عن التصوف مرة أخرى فقال هو صفوة القرب بعد كدورة البعد . وكان رضي اللّه عنه يقول أدركنا الناس وكانوا يجتمعون لا عن مواعدة ويفترقون لا عن مشورة ، وكان إذا شاوره فقير بالذهاب يعرض عنه بالجواب ، وكان يقول من علامة مقت اللّه للعبد أن يتقلق من مجلس الذكر إذا طال لأنه لو أحبه لكان الألف سنة في حضرته كلمح البصر ، وكان يقول لا ينبغي أن يربى الأحداث إلا الكمل الذين استولت عليهم هيبة اللّه تعالى ، وقد كان أحدهم يربى الحدث حتى تطلع لحيته لا يعلم بذلك إلا من الناس . قال : وكان عندنا ببغداد عشرة فتيان معهم عشرة أحداث كل واحد منهم معه حدث وكانوا مجتمعين في موضع فوجهوا واحدا من الأحداث ليأخذ لهم حاجة فأبطأ عليهم فغضبوا لتأخيره عنهم ثم أقبل وهو يضحك وبيده بطيخة يقلبها فقالوا له بكم اشتريتها فقال بعشرين درهما فقالوا له ما السبب في غلوها فقال رأيت فقيرا

--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية 180 .